Jumat, 29 Juni 2012

كتاب ذكر الموت وما بعده


بيان حال القبر وأقاويلهم عند القبور
قال الضحاك قال رجل يا رسول الله من أزهد الناس قال من لم ينس القبر والبلى وترك فضل زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد غدا من أيامه وعد نفسه من أهل القبور حديث الضحاك قال رجل يارسول الله من أزهد الناس قال من لم ينس القبور واللى الحديث تقدم وقيل لعلي كرم الله وجهه ما شأنك جاورت المقبرة قال إني أجدهم خير جيران أجدهم جيران صدق يكفون الألسنة ويذكرون الآخرة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه حديث ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه تقدم في الباب الثالث من آداب الصحبة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقابر فجلس إلى قبر وكنت أدنى القوم منه فبكى وبكيت وبكوا فقال ما يبكيكم قلنا بكينا لبكائك قال هذا قبر أمي آمنة بنت وهب استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي فاستأذنته أن استغفر لها فأبى علي فادركني ما يدرك الولد من الرقة حديث عمر خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقابر فجلس على قبر وكنت أدنى القوم الحديث وفيه هذا قبر آمنة بنت وهب أستأذنت ربي في زيارتها فأذن لى وتقدم في آداب الصحبة أيضا ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور من حديث ابن مسعود وفيه ذكر لعمر بن الخطاب وآخره عند بن ماجة مختصرا وفيه أيوب بن هانىء ضعفه ابن معين وقال أبو حاتم صالح وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فسئل عن ذلك وقيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكى إذا وقفت على قبر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد حديث عثمان كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته وفيه أن القبر أول منازل الآخرة أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجة والحاكم وصححه وتقدم في أداب الصحبة وقيل إن عمرو بن العاص نظر إلى المقبرة فنزل وصلى ركعتين فقيل له هذا شيء لم تكن تصنعه فقال ذكرت أهل القبور وما حيل بينهم وبينه فأحببت أن أتقرب إلى الله بهما وقال مجاهد أول ما يكلم ابن آدم حفرته فتقول أنا بيت الدود وبيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الظلمة هذا ما أعددت لك فما اعددت لي وقال أبو ذر ألا أخبركم بيوم فقري يوم أوضع في قبري وكان أبو الدرداء يقعد إلى القبور فقيل له في ذلك فقال أجلس إلى قوم يذكروني معادي وإذا قمت لم يغتابوني وكان جعفر بن محمد يأتي القبور ليلا ويقول يا أهل القبور مالي إذا دعوتكم لا تجيبوني ثم يقول حيل والله بينهم وبين جوابي وكأن بي أكون مثلهم ثم يستقبل الصلاة إلى طلوع الفجر وقال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه يا فلان لقد أرقت الليلة أتفكر في القبر وساكنه وإنك لو رأيت الميت بعد ثلاثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك به ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان مع تغير الريح وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب قال ثم شهق شهقة خر مغشيا عليه وكان يزيد الرقاشي يقول أيها المقبور في حفرته والمتخلي في القبر بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي إخوانك اغتبطت ثم يبكي حتى يبل عمامته ثم يقول استبشر والله بأعماله الصالحة واغتبط والله بإخوانه المتعاونين على طاعة الله تعالى وكان إذا نظر إلى القبور خار كما يخور الثور وقال حاتم الأصم من مر بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدع لهم فقد خان نفسه وخانهم وكان بكر العابد يقول يا أماه ليتك كنت بي عقيما إن لابنك في القبر حبسا طويلا ومن بعد ذلك منه رحيلا وقال يحيى بن من معاذ يا ابن آدم دعاك ربك إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه إن أجبته من دنياك واشتغلت بالرحلة إليه دخلتها وإن أجبته من قبرك منعتها وكان الحسن بن صالح إذا أشرف على المقابر يقول ما أحسن ظواهرك إنما الدواهي في بواطنك وكان عطاء السلمي إذا جن عليه الليل خرج إلى المقبرة ثم يقول يا أهل القبور متم فواموتاه وعاينتم أعمالكم فواعملاه ثم يقول غدا عطاء في القبور فلا يزال ذلك دأبه حتى يصبح وقال سفيان من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار وكان الربيع بن خيثم قد حفر في داره قبرا فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع ومكث ما شاء الله ثم يقول رب إرجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت يرددها ثم يرد على نفسه يا ربيع قد رجعتك فاعمل وقال أحمد بن حرب تتعجب الأرض من رجل يمهد مضجعه ويسوى فراشه للنوم فتقول يا ابن آدم لم لا تذكر طول بلاك وما بيني وبينك شيء وقال ميمون بن مهران خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة فلما نظر إلى القبور بكى ثم أقبل على فقال يا ميمون هذه قبور آبائي بني أمية كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذاتهم وعيشهم أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات واستحكم فيهم البلى وأصابت الهوام مقيلا في أبدانهم ثم بكى وقال والله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله وقال ثابت البناني دخلت المقابر فلما قصدت الخروج منها فإذا بصوت قائل يقول يا ثابت لا يغرنك صموت أهلها فكم من نفس مغمومة فيها ويروى أن فاطمة بنت الحسين نظرت إلى جنازة زوجها الحسن بن الحسن فغطت وجهها وقالت وكانوا رجاء ثم أمسوا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجلت وقيل إنها ضربت على قبره فسطاطا واعتكفت عليه سنة فلما مضت السنة قلعوا الفسطاط ودخلت المدينة فسمعوا صوتا من جانب البقيع هل وجدوا ما فقدوا فسمعوا من الجانب الآخر بل يئسوا فانقلبوا وقال أبو موسى التميمي توفيت امرأة الفرزدق فخرج في جنازتها وجوه البصرة وفيهم الحسن فقال له الحسن يا أبا فراس ماذا أعددت لهذا اليوم فقال شهادة أن لا إله إلا الله منذ ستين سنة فلما دفنت أقام الفرزدق على قبرها فقال أخاف وراء القبر إن لم تعافني أشد من القبر التهابا وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائد عنيف وسواق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد آدم من مشى إلى النار مغلول القلادة أزرقا وقد أنشدوا في أهل القبور قف بالقبور وقل على ساحاتها من منكم المغمور في ظلماتها ومن المكرم منكم في قعرها قد ذاق برد الأمن من روعاتها أما السكون لذي العيون فواحد لا يستبين الفضل في درجاتها لو جاوبوك لأخبروك بألسن تصف الحقائق بعد من حالاتها أما المطيع فنازل في روضة يفضي إلى ما شاء من دوحاتها والمجرم الطاغي بها متقلب في حفرة يأوى إلى حياتها وعقارب تسعى إليه فروحه في شدة التعذيب من لدغاتها ومر داود الطائي على امرأة تبكي على قبر وهي تقول عدمت الحياة ولا نلتها إذا كنت في القبر قد ألحدوكا فكيف وأين أذوق لطعم الكرى وأنت بيمناك قد وسدوكا ثم قالت يا ابناه بأي خديك بدأ الدود فصعق داود مكانه وخر مغشيا عليه وقال مالك بن دينار مررت بالمقبرة فأنشأت أقول أتيت القبور فناديتها فأين المعظم والمحتقر وأين المدل بسلطانه وأين المزكى إذا ما أفتخر قال فنوديت من بينها أسمع صوتا ولا أرى شخصا وهو يقول تفانوا جميعا فما مخبر وماتوا جميعا ومات الخبر تروح وتغدو بنات الثرى فتمحو محاسن تلك الصور فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك فيما ترى معتبر قال فرجعت وأنا باك أبيات وجدت مكتوبة على القبور وجد مكتوبا على قبر تناجيك أجداث وهن صموت وسكانها تحت التراب خفوت أيا جامع الدنيا لغير بلاغة لمن تجمع الدنيا وأنت تموت ووجد على قبر آخر مكتوبا أيا غانم أما ذراك فواسع وقبرك معمور الجوانب محكم وما ينفع المقبور عمران قبره إذا كان فيه جسمه يتهدم وقال ابن السماك مررت على المقابر فإذا على قبر مكتوب يمر أقاربي جنبات قبرى كأن أقاربي لم يعرفوني ذوو الميراث يقتسمون مالي وما يألون أن جححدوا ديوني وقد أخذوا سهامهم وعاشوا فيالله أسرع ما نسوني ووجد على قبر مكتوبا إن الحبيب من الأحباب مختلس لا يمنع الموت بواب ولا حرس فكيف تفرح بالدنيا ولذتها يا من يعد عليه اللفظ والنفس أصبحت يا غافلا في النقص منغمسا وأنت دهرك في اللذات منغمس لا يرحم الموت ذا جهل لغرته ولا الذي كان منه العلم يقتبس كم أخرس الموت في قبر وقفت به عن الجواب لسنا ما به خرس قد كان قصرك معمورا له شرف فقبرك اليوم في الأجداث مندرس ووجد على قبر آخر مكتوبا وقفت على الأحبة حين صفت قبورهم كأفراس الرهان فلما أن بكيت وفاض دمعي رأت عيناي بينهم مكاني ووجد على قبر طبيب مكتوبا قد قلت لما قال لي قائل صار لقمان إلى رمسه فأين ما يوصف من طبه وحذقه في الماء مع جسه هيهات لا يدفع عن غيره من كان لا يدفع عن نفسه ووجد على قبر آخر مكتوبا يا أيها الناس كان لي أمل قصر بي عن بلوغه الأجل فليتق الله ربه رجل أمكنه في حياته العمل ما أنا وحدي نقلت حيث ترى كل إلى مثقله سينتقل فهذه أبيات كتبت على قبور لتقصير سكانها عن الأعتبار قبل الموت والبصير هو الذي ينظر إلى غيره فيرى مكانه بين أظهرهم فيستعد للحوق بهم ويعلم أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يلحق بهم وليتحقق أنه لو عرض عليهم يوم من أيام عمره الذي هو مضيع له لكان ذلك أحب إليهم من الدنيا بحذافيرها لأنهم عرفوا قدر الأعمار وانكشفت لهم حقائق الأمور فإنما حسرتهم على يوم من العمر ليتدارك المقصر به تقصيره فيتخلص من العقاب وليستزيد الموفق به رتبته فيتضاعف له الثواب فإنهم إنما عرفوا قدر العمر بعد انقطاعه فحسرتهم على ساعة من الحياة وأنت قادر على تلك الساعة ولعلك تقدر على أمثالها ثم أنت مضيع لها فوطن نفسك على التحسر على تضييعهما عند خروج الأمر من الاختيار إذا لم تأخذ نصيبك من ساعتك على سبيل الإبتدار فقد قال بعض الصالحين رأيت أخا لي في الله فيما يرى النائم فقلت يا فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال لأن أقدر على أن أقولها يعني الحمد لله رب العالمين أحب إلى من الدنيا وما فيها ثم قال ألم تر حيث كانوا يدفنونني فإن فلانا قد قام فصلى ركعتين لأن أكون أقدر على أن أصليهما أحب إلي من الدنيا وما فيها.
بيان أقاويلهم عند موت الولد
حق على من مات ولده أو قريب من أقاربه أن ينزله في تقدمه عليه في الموت منزلة ما لو كانا في سفر فسبقه الولد إلى البلد الذي هو مستقره ووطنه فإنه لا يعظم عليه تأسفه لعلمه أنه لاحق به على القرب وليس بينهما إلا تقدم وتأخر وهكذا الموت فإن معناه السبق إلى الوطن إلى أن يلحق المتأخر وإذا اعتقد هذا قل جزعه وحزنه لا سيما وقد ورد في موت الولد من الثواب ما يعزى به كل مصاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أقدم سقطا أحب إلى من أن أخلف مائة فارس كلهم يقاتل في سبيل الله حديث لأن أقدم سقطا أحب إلى من أخلف مائة فارس كلهم يقاتل في سبيل الله لم أجد فيه ذكر مائة فارس وروى بن ماجة من حديث أبي هريرة لسقط أقدمه بين يدي أحب إلى من فارس أخافه خلفي وإنما ذكر السقط تنبيها بالأدنى على الأعلى وإلا فالثواب على قدر محل الولد من القلب وقال زيد بن أسلم توفي ابن لداود عليك السلام فحزن عليه حزنا شديدا فقيل له ما كان عدله عندك قال ملء الأرض ذهبا قيل له فإن لك من الأجر في الآخرة مثل ذلك وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار فقالت امرأة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اثنان قال أو اثنان حديث لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتبسهم الحديث تقدم في النكاح وليخلص الوالد الدعاء لولده عند الموت فإنه أرجى دعاء وأقربه إلى الإجابة وقف محمد بن سليمان على قبر ولده فقال اللهم إني أصبحت أرجوك له وأخافك عليه فحقق رجائي وآمن خوفي ووقف أبو سنان على قبر ولده فقال اللهم إني قد غفرت له ما وجب لي عليه فاغفر له ما وجب لك عليه فإنك أجود وأكرم ووقف أعرابي على قبر ابنه فقال اللهم إني قد وهبت له ما قصر فيه من بري فهب له ما قصر فيه من طاعتك ولما مات ذر بن عمر بن ذر قام أبوه عمر بن ذر بعد وضعه في لحده فقال يا ذر لقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك فليت شعري ماذا قلت وماذا قيل لك ثم قال اللهم أن هذا ذر متعتني به ما متعتني ووفيته أجله ورزقه ولم تظلمه اللهم وقد كنت ألزمته طاعتك وطاعتي اللهم ما وعدتني عليه من الأجر في مصيبتي فقد وهبت له ذلك فهب لي عذابه ولا تعذبه فأبكى الناس ثم قال عند انصرافه ما علينا بعدك من خصاصة يا ذر وما بنا إلى إنسان مع الله حاجة فلقد مضينا وتركناك ولو أقمنا ما نفعناك ونظر رجل إلى امرأة في البصرة فقال ما رأيت مثل هذه النضارة وما ذاك إلا من قلة الحزن فقالت يا عبد الله أني لفي حزن ما يشركني فيه أحد قال فكيف قالت أن زوجي ذبح شاة في يوم عيد الأضحى وكان لي صبيان مليحان يلعبان فقال أكبرهما للآخر أتريد أن أريك كيف ذبح أبي الشاة قال نعم فأخذه وذبحه وما شعرنا به إلا متشطحا في دمه فلما ارتفع الصراخ هرب الغلام فلجأ إلى جبل فرهقه ذئب فأكله فخرج أبوه يطلبه فمات عطشا من شدة الحر قالت فأرداني الدهر كما ترى فأمثال هذه المصائب ينبغي أن تتذكر عند موت الأولاد ليتسلى بها عن شدة الجزع فما من مصيبة إلا ويتصور ما هو أعظم منها وما يدفعه الله في كل حال فهو الأكثر.
بيان زيارة القبور والدعاء للميت وما يتعلق به
زيارة القبور مستحبة على الجملة للتذكر والاعتبار وزيارة قبور الصالحين لأجل التبرك مع الاعتبار وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم أذن في ذلك بعد حديث نهيه عن زيارة القبور ثم أذنه في ذلك أخرجه مسلم روى عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كنت نهيتكم عم زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة غير أن لا تقولوا هجرا حديث علي كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة غير أن لا تقولوا هجرا رواه أحمد وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه في ألف مقنع فلم ير باكيا أكثر من يومئذ حديث زار رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه في ألف مقمع فلم ير باكيا أكثر من يومئذ أخرجه ابن أبي الدنيا وفي هذا اليوم قال أذن لي في الزيارة دون الاستغفار حديث وقال في هذا اليوم أذن لي في الزيارة دون الاستغفار كما أوردنا من قبل وقال ابن أبي مليكة أقبلت عائشة رضي الله عنها يوما من المقابر فقلت يا أم المؤمنين من أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن فقلت أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها قالت نعم ثم أمر بها حديث ابن أبي مليكة أقبلت عائشة يوما من المقابر فقلت يا أم المؤمنين من أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن قلت أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها قالت نعم ثم أمر بها أخرجه ابن أبي الدنيا في القبور بإسناد جيد ولا ينبغي أن يتمسك بهذا فيؤذن للنساء في الخروج إلى المقابر فإنهن يكثرن الهجر على رءوس المقابر فلا يفي خير زيارتهن بشرها ولا يخلون في الطريق عن تكشف وتبرج وهذه عظائم والزيارة سنة فكيف يحتمل ذلك لأجلها نعم لا بأس بخروج المرأة في ثياب بذلة ترد أعين الرجال عنها وذلك بشرط الاقتصار على الدعاء وترك الحديث على رأس القبر وقال أبو ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زر القبور تذكر بها الآخرة واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة وصل على الجنائز لعل ذلك أن يحزنك فإن الحزين في ظل الله حديث أبي ذر زر القبور تذكر الآخرة واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة وقال ابن أبي مليكة قال رسول الله زروا موتاكم وسلموا عليهم فإن لكم فيهم عبرة حديث ابن أبي مليكة زورا موتاكم وسلموا عليهم وصلوا عليهم الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا وعن نافع أن ابن عمر كان لا يمر بقبر أحد إلا وقف عليه وسلم عليه وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة في الأيام فتصلي وتبكي عنده وقال النبي صلى الله عليه وسلم من زار قبر والديه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برا حديث من زار قبر ابويه أو أحدهما في كل جمعه غفر له وكتب برا أخرجه الطبراني في الصغير والأوسطمن حديث أبي هريرة وابن أبي الدنيا في القبور من رواية محمد بن النعمان يرفعه وهو معضل ومحمد بن النعمان مجهول وشيخه عند الطبراني يحيى بن العلاء البجلى متروك وعن ابن سيرين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه الله من البارين حديث ابن سيرين إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه الله من البارين أخرجه ابن أبي الدنيا فيه وهو مرسل صحيح الإسناد ورواه ابن عدي من رواية يحيى بن عقبة أبي الغيزران عن محمد بن جحادة عن أنس قال ورواه الصلت بن الحجاج عن ابن جحادة عن قتادة عن أنس ويحيى بن عقبة والصلت بن الحجاج كلاهما ضعيف وقال النبي صلى الله عليه وسلم من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي حديث من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي تقدم في أسرار الحج وقال صلى الله عليه وسلم من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة حديث من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة وقال كعب الأحبار ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يوقرونه والمستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة مستقبلا بوجهه الميت وأن يسلم ولا يمسح القبر ولا يمسه ولا يقبله فإن ذلك من عادة النصارى قال نافع كان ابن عمر رأيته مائة مرة أو أكثر يجيء إلى القبر فيقول السلام على النبي السلام على أبي بكر السلام على أبي وينصرف وعن أبي أمامة قال رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم حديث عائشة ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم أخرجه ابن أبي الدنيا في القبور وفيه عبد الله بن سمعان ولم أقف على حاله ورواه ابن عبد البر في التمهيد من حديث ابن عباس نحوه وصححه عبد الحق الأشبيلي وقال سليمان بن سحيم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك ويسلمون عليك أتفقه سلامهم قال نعم وأرد عليهم وقال أبو هريرة إذا مر الرجل بقبر لرجل يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام وعرفه وإذا مر بقبر لا يعرفه وسلم عليه رد عليه السلام وقال رجل من آل عاصم الجحدري رأيت عاصما في منامي بعد موته بسنتين فقلت أليس قد مت قال بلى فقلت أين أنت قال أنا والله فى روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى أبى بكر ابن عبد الله المزني فنتلاقى أخباركم قلت أجسامكم أم أرواحكم قال هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح قال قلت فهل تعلمون بزيارتنا إياكم قال نعم تعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس قلت وكيف ذاك دون الأيام كلها قال لفضل يوم الجمعة وعظمه وكان محمد بن واسع يزور يوم الجمعه فقيل له لو أخرت إلى يوم الأثنين قال بلغنى أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبله ويوما بعده وقال الضحاك من زار قبرا قبل طلوع الشمس يوم السبت علم الميت بزيارته قيل وكيف ذاك قال لمكان يوم الجمعة وقال بشر ابن منصور لما كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبانة فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال آنس الله وحشتكم ورحم غربتكم وتجاوز عن سيئاتكم وقبل الله حسناتكم لا يزيد على هذه الكلمات قال الرجل فأمسيت ذات ليلة فانصرفت إلى أهلى ولم آت إلى المقابر فأدعو كما كنت أدعو فبينما أنا نائم إذا بخلق كثير قد جاءونى فقلت ما أنتم وما حاجتكم قالوا نحن أهل المقابر قلت ما جاء بكم قالوا إنك قد عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك قلت وما هي قالوا الدعوات التي كنت تدعو لنا بها قلت فإني أعود لذلك فما تركتها بعد ذلك وقال بشار بن غالب النجراني رأيت رابعة العدوية العابدة فى منامي وكنت كثير الدعاء لها فقالت لي يا بشار بن غالب هداياك تأتينا على طبق من نور مخمرة بمناديل الحرير قلت وكيف ذاك قالت وهكذا دعاء المؤمنين الأحياء إذا دعوا للموتى فاستجيب لهم جعل ذلك الدعاء على أطباق من نور وخمر مناديل الحرير ثم أتى به الميت فقيل له هذه هدية فلان إليك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الميت فى قبره إلا كالغريق المتغوث ينتظر دعوة تلحقه من أبيه أو أخيه أو صديق له فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار حديث ما الميت في قبره إلا كالغريق المتغوث ينتظر دعوة تلحقه من أبيه أو من أخيه أو من صديق له الحديث أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس وفيه الحسن بن علي بن عبد الواحد قال الذهبي حدث عن هشام بن عمار بحديث باطل وقال بعضهم مات أخ لي فرأيته في المنام فقلت ما كان حالك حيث وضعت في قبرك قال أتاني آت بشهاب من نار فلولا أن داعيا دعا لي لرأيت أنه سيضربني به ومن هذا يستحب تلقين الميت بعد الدفن والدعاء له قال سعيد بن عبد الله الأزدى شهدت أبا أمامة الباهلى وهو في النزع فقال يا سعيد إذا مت فاصنعوا بى كما أمرنا رسول صلى الله عليه وسلم الله فقال إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب ثم ليقل يا فلان ابن فلانة الثانية فإنه يستوى قاعدا ثم ليقل يا فلان ابن فلانة الثالثة فإنه يقول أرشدنا يرحمك الله ولكن لا تسمعون فيقول له اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما فيقول انطلق بنا ما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته ويكون الله عز وجل حجيجه دونهما فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه قال فلينسبه إلى حواء حديث سعيد بن عبد الله الأزدي قال شهدت أبا أمامة الباهلي وهو في النزع فقال يا سعيد إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول يا فلان ابن فلانة الحديث في تلقين الميت في قبره أخرجه الطبراني ولا بأس بقراءة القرآن على القبور روى عن على بن موسى الحداد قال كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة ومحمد بن قدامة الجوهرى معنا فلما دفن الميت جاء رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد يا ابا عبد الله ما تقول في مبشر بن إسماعيل الحلبي قال ثقه قال هل كتبت عنه شيئا قال نعم قال أخبرني مبشر بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه فاتحة البقرة وخاتمتها وقال سمعت ابن عمر يوصى بذلك فقال له أحمد فارجع إلى الرجل فقل له يقرأ وقال محمد بن أحمد المروزى سمعت أحمد بن حنبل يقول إذا دخلتم المقابر فاقرءوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم وقال أبو قلابة أقبلت من الشام إلى البصرة فنزلت الخندق فتطهرت وصليت ركعتين بليل ثم وضعت رأسي على قبر فنمت ثم تنبهت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول لقد آذيتني منذ الليلة ثم قال إنكم لا تعلمون ونحن نعلم ولا نقدر على العمل ثم قال للركعتان اللتان ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ثم قال جزى الله عنا أهل الدنيا خيرا أقرئهم السلام فإنه قد يدخل علينا من دعائهم نورا مثل الجبال فالمقصود من زيارة القبور للزائر الاعتبار بها وللمزور الانتفاع بدعائه فلا ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه وللميت ولا عن الاعتبار به وإنما يحصل له الاعتبار بأن يصور في قلبه الميت كيف تفرقت أجزاءه وكيف يبعث من قبره وأنه على القرب سيلحق به كما روى عن مطرف بن أبي بكر الهذلي قال كانت عجوز في عبد القيس متعبدة فكان إذا جاء الليل تحزمت ثم قامت إلى المحراب وإذا جاء النهار خرجت إلى القبور فبلغني أنها عوتبت في كثرة إتيانها المقابر فقالت إن القلب القاسي إذا جفا لم يلينه إلا رسوم البلى وإني لآتي القبور فكأني انظر وقد خرجوا من بين أطباقها وكأني انظر إلى تلك الوجوه المتعفرة وإلى تلك الأجسام المتغيرة وإلى تلك الأجفان الدسمة فيا لها من نظرة لو أشربها العباد قلوبهم ما أنكل مرارتها للأنفس وأشد تلفها للأبدان بل ينبغي أن يحضر من صورة الميت ما ذكره عمر بن عبد العزيز حيث دخل عليه فقيه فتعجب من تغير صورته لكثرة الجهاد والعبادة فقال له يا فلان لو رأيتني بعد ثلاث وقد أدخلت قبريى وقد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان وخرج الصديد من الفم وانفتح الفم ونتأ البطن فعلا الصدر وخرج الصلب من الدبر وخرج الدود والصديد من المناخر لرأيت أعجب مما تراه الآن ويستحب الثناء على الميت وألا يذكر إلا بالجميل قالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه حديث إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تفعوا فيه أخرجه أبو داود من حديث عائشه وقال صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الأموات فإنهم قد أمضوا إلى ما قدموا حديث لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا أخرجه البخاري من حديث عائشة أيضا وقال صلى الله عليه وسلم لا تذكروا موتاكم إلا بخير فإنهم إن يكونوا من أهل الجنة تأثموا وإن يكونوا من أهل النار فحسبهم ما هم فيه حديث لا تذكروا موتاكم إلا بخير الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت هكذا بإسناد ضعيف من حديث عائشة وهو عند النسائي من حديث عائشة باسناد جيد منتصرا هل ما ذكر منه هنا بلفظ هلكاكم وذكر الزيادة صاحب مسند الفردوس وعلم عليه علامة النسائي والطبراني وقال أنس بن مالك مرت جنازة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنوا عليها شرا فقال عليه السلام وجبت ومروا بأخرى فأثنوا عليها خيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبت فسأله عمر عن ذلك فقال إن هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار وأنتم شهداء الله في الأرض حديث أنس مرت جنازة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنوا عليها شرا فقال وجبت الحديث متفق عليه وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن العبد ليموت فيثني عليه القوم الثناء يعلم الله منه غيره ليقول الله تعالى لملائكته أشهدكم أني قد قبلت شهادة عبيدي على عبدي وتجاوزت عن علمي في عبدي حديث أبي هريرة إن العبد ليموت فيثني عليه القوم الثناء يعلم الله منه غير ذلك الحديث أخرجه أحمد من رواية شيخ من أهل البصرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه على ربه عز وجل ما من عبد مسلم يموت فيشهد له ثلاث أبيات من جيرانه الأدنين بخير إلا قال الله عز وجل قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا وغفرت له ما أعلم .
الباب السابع في حقيقة الموت وما يلقاه الميت في القبر إلى نفخة الصور
بيان حقيقة الموت
أعلم أن للناس في حقيقة الموت ظنونا كاذبة قد اخطأوا فيها فظن بعضهم أن الموت هو العدم وأنه لا حشر ولا نشر ولا عاقبة للخير والشر وأن موت الإنسان كموت الحيوانات وجفاف النبات وهذا رأى الملحدين وكل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر وظن قوم أنه ينعدم بالموت ولا يتأم بضار ولا يتنعم بثواب ما دام في القبر إلى أن يعاد في وقت الحشر وقال آخرون إن الروح باقية لا تنعدم بالموت وإنما المثاب والمعاقب هي الأرواح دون الأجساد وإن الأجساد لا تبعث ولا تحشر أصلا وكل هذه ظنون فاسدة ومائلة عن الحق بل الذي تشهد له طرق الاعتبار وتنطق به الآيات والأخبار أن الموت معناه تغير حال فقط وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد إما معذبة وإما منعمة ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها فإن الأعضاء آلات الروح تستعملها حتى أنها لتبطش باليد وتسمع بالأذن وتبصر بالعين وتعلم حقيقة الأشياء بالقلب والقلب ههنا عبارة عن الروح والروح تعلم الأشياء بنفسها من غير آلة ولذلك قد يتألم بنفسه بأنواع الحزن والغم والكمد ويتنعم بأنواع الفرح والسرور وكل ذلك لا يتعلق بالأعضاء فكل ما هو وصف للروح بنفسها فيبقى معها بعد مفارقة الجسد وما هو لها بواسطة الأعضاء فيتعطل بموت الجسد إلى أن تعاد الروح إلى الجسد ولا يبعد أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر ولا يبعد أن تؤخر إلى يوم البعث والله أعلم بما حكم به على كل عبد من عباده وإنما تعطل الجسد بالموت يضاهي تعطل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه وبشدة تقع في الأعصاب تمنع نفوذ الروح فيها فتكون الروح العالمة العاقلة المدركة باقية مستعملة لبعض الأعضاء وقد استعصى عليها بعضها والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها وكل الأعضاء آلات والروح هي المستعملة لها وأعنى بالروح المعنى الذي يدرك من الإنسان العلوم وآلام الغموم ولذات الأفراح ومهما بطل تصرفها في الأعضاء لم تبطل منها العلوم والإدراكات ولا بطل منها الأفراح والغموم ولا بطل منها قبولها للآلآم واللذات والإنسان بالحقيقة هو المعنى المدرك للعلوم وللآلام واللذات وذلك لا يموت أي لا ينعدم ومعنى الموت انقطاع تصرفه عن البدن وخروج البدن عن أن يكون آلة له كما أن معنى الزمانة خروج اليد عن أن تكون آلة مستعملة فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلها وحقيقة الإنسان نفسه وروحه وهي باقية نعم تغير حاله من جهتين إحداهما أنه سلب منه عينه وأذنه ولسانه ويده ورجله وجميع أعضائه وسلب منه أهله وولده وأقاربه وسائر معارفه وسلب منه خيله ودوابه وغلمانه ودوره وعقاره وسائر أملاكه ولا فرق بين أن تسلب هذه الأشياء من الإنسان وبين أن يسلب الإنسان من هذه الأشياء فإن المؤلم هو الفراق والفراق يحصل تارة بأن ينهب مال الرجل وتارة بأن يسبى الرجل عن الملك والمال والألم واحد في الحالتين وإنما معنى الموت سلب الإنسان عن أمواله بإزعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم فإن كان له في الدنيا شيء يأنس به ويستريح إليه ويعتد بوجوده فيعظم تحسره عليه بعد الموت ويصعب شقاؤه في مفارقته بل يلتفت قلبه إلى واحد واحد من ماله وجاهه وعقاره حتى إلى قميص كان يلبسه مثلا ويفرح به وإن لم يكن يفرح إلا بذكر الله ولم يأنس إلا به عظم نعيمه وتمت سعادته إذا خلى بينه وبين محبوبه وقطعت عنه العوائق والشواغل إذ جميع أسباب الدنيا شاغلة عن ذكر الله فهذا أحد وجهى المخالفة بين حال الموت وحال الحياة والثاني أنه ينكشف له بالموت ما لم يكن مكشوفا له في الحياة كما قد ينكشف للمتيقظ ما لم يكن مكشوفا له في النوم والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وأول ما ينكشف له ما يضره وينفعه من حسناته وسيئاته وقد كان ذلك مسطورا في كتاب مطوي في سر قلبه وكان يشغله عن الاطلاع عليه شواغل الدنيا فإذا انقطعت الشواغل انكشف له جميع أعماله فلا ينظر إلى سيئه إلا ويتحسر عليها تحسرا يؤثر أن يخوض غمرة النار للخلاص من تلك الحسرة وعبد ذلك يقال له كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وينكشف كل ذلك عند انقطاع النفس وقبل الدفن وتشتعل فيه نيران الفراق أعنى فراق ما كان يطمئن إليمن هذه الدنيا الفانية دون ما أراد منها لأجل الزاد والبلغة فإن من طلب الزاد للبلغة فإذا بلغ المقصد فرح بمفارقته بقية الزاد إذ لم يكن يريد الزاد لعينه وهذا حال من لم يأخذ من الدنيا إلا بقدر الضرورة وكان يود أن تنقطع ضرورته ليستغنى عنه فقد حصل ما كان يوده واستغنى عنه وهذه أنواع من العذاب والآلام عظيمة تهجم عليه قبل الدفن ثم عند الدفن قد ترد روحه إلى الجسد لنوع آخر من العذاب وقد يعفى عنه ويكون حال المتنعم بالدنيا المطمئن إليها كحال من تنعم عند غيبة ملك من الملوك في داره وملكه وحريمه اعتمادا على أن الملك يتساهل في أمره أو على أن الملك ليس يدري ما يتعاطاه من قبيح أفعاله فأخذه الملك بغتة وعرض عليه جريدة قد دونت فيها جميع فواحشه وجناياته ذرة ذرهوخطوة خطوة والملك قاهر متسلط وغيور على حرمه ومنتقم من الجناة على ملكه وغير ملتفت إلى من يتشفع إليه في العصاة عليه فانظر إلى هذا المأخوذ كيف يكون حاله قبل نزول عذاب الملك به من الخوف والخجلة والحياء والتحسر والندم فهذا حال الميت الفاجر المغتر بالدنيا المطمئن إليها قبل نزول عذاب القبر به بل عند موته نعوذ بالله منه فإن الخزى والافتضاح وهتك الستر أعظم من كل عذاب يحل بالجسد من الضرب والقطع وغيرهما فهذه إشارة إلى حال الميت عند الموت شاهدها أولو البصائر بمشاهدة باطنة أقوى من مشاهدة العين وشهد لذلك شواهد الكتاب والسنة نعم لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة ومعرفة الحياة بمعرفة حقيقة الروح في نفسها وإدراك ماهية ذاتها ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم فيها ولا أن يزيد على أن يقول الروح من أمر ربي حديث إنه لم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم في الروح متفق عليه من حديث ابن مسعود في سؤال اليهود عن الروح ونزول قوله تعالى ويسئلونك عن الروح وقد تقدم فليس لأحد من علماء الدين أن يكشف عن سر الروح وإن اطلع عليه وإنما المأذون فيه ذكر حال الروح بعد الموت ويدل على أن الموت ليس عبارة عن انعدام الروح وانعدام إدراكها آيات وأخبار كثيرة أما الآيات فما ورد في الشهداء إذ قال تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين ولما قتل صناديد قريش يوم بدر ناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا فلان يا فلان يا فلان قد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فقيل يا رسول الله أتناديهم وهم أموات فقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إنهم لأسمع لهذا الكلام منكم إلا أنهم لا يقدرون على الجواب حديث ندائه من قتل من صناديد قريش يوم بدر يا فلان قد وجدت ما وعدني ربي حقا أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب فهذا نص في روح الشقي وبقاء إدراكها ومعرفتها والآية نص أرواح في الشهداء ولا يخلو الميت عن سعادة أو شقاوة وقال صلى الله عليه وسلم القبر إما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة حديث القبر إما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وتقدم في الرجاء والخوف وهذا نص صريح على أن الموت معناه تغير حال فقط وأن ما سيكون من شقاوة الميت وسعادته يتعجل عند الموت من غير تأخير وإنما يتأخر بعض أنواع العذاب والثواب دون أصله وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الموت القيامة فمن مات فقد قامت قيامته حديث أنس الموت القيامة من مات فقد قامت قيامته أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت بإسناد ضعيف وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده غدوة وعشية إن كان من أهل الجنة فمن الجنة وإن كان من أهل النار فمن النار ويقال هذا مقعدك حتى تبعث إليه يوم القيامة حديث إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر وليس يخفى ما في مشاهدة المقعدين من عذاب ونعيم في الحال وعن أبي قيس قال كنا مع علقمة في جنازة فقال أما هذا فقد قامت قيامته وقال علي كرم الله وجهه حرام على نفس أن تخرج من الدنيا حتى تعلم من أهل الجنة هى أم من أهل النار وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات غريبا مات شهيدا ووقى فتانات القبر وغدى وريح عليه برزقه من الجنة حديث أبي هريرة من مات غريبا مات شهيدا ووقى فتاني القبر أخرجه ابن ماجه بسند ضعيف وقال فتنة القبر وقال ابن أبي الدنيا فتان وقال مسروق ما غبطت مؤمنا في اللحد قد استراح من نصب الدنيا وأمن عذاب الله تعالى وقال يعلى بن الوليد كنت أمشي يوما مع أبي الدرداء فقلت له ما تحب لمن تحب قال الموت قلت فإن لم يمت قال يقل ماله وولده وإنما أحب الموت لأنه لا يحبه إلا المؤمن والموت إطلاق المؤمن من السجن وإنما أحب قلة المال والولد لأنه فتنة وسبب للأنس بالدنيا والأنس بمن لا بد من فراقه غاية الشقاء فكل ما سوى الله وذكره والأنس به فلا بد من فراقه عند الموت لا محالة ولهذا قال عبد الله بن عمرو إنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه أو روحه مثل رجل بات في سجن فأخرج منه فهو يتفسح في الأرض ويتقلب فيها وهذا الذي ذكره حال من تجافى عن الدنيا وتبرم بها ولم يكن له أنس إلا بذكر الله تعالى وكانت شواغل الدنيا تحبسه عن محبوبه ومقاساة الشهوات تؤذيه فكان في الموت خلاصه من جميع المؤذيات وانفراده بمحبوبه الذي كان به أنسه من غير عائق ولا دافع وما أجدر ذلك بأن يكون منتهى النعيم واللذات وأكل اللذات للشهداء الذين قتلوا في سبيل الله لأنهم ما أقدموا على القتال إلا قاطعين التفاتهم عن علائق الدنيا مشتاقين إلى لقاء الله راضين بالقتل في طلب مرضاته فإن نظر إلى الدنيا فقد باعها طوعا بالآخرة والبائع لا يلتفت قلبه إلى المبيع وإن نظر إلى الآخرة فقد اشتراها وتشوق إليها فما أعظم فرحه بما اشتراه إذا رآه وما أقل التفاته إلى ما باعه إذا فارقه وتجرد القلب لحب الله تعالى قد يتفق في بعض الأحوال ولكن لا يدركه الموت عليه فيتغير والقتال سبب للموت فكان سببا لإدراك الموت على مثل هذه الحالة فلهذا عظيم النعيم إذ معنى النعيم أن ينال الإنسان ما يريده قال الله تعالى ولهم ما يشتهون فكان هذا أجمع عبارة لمعاني لذات الجنة وأعظم العذاب أن يمنع الإنسان عن مراده كما قال الله تعالى وحيل بينهم وبين ما يشتهون فكان هذا أجمع عبارة لعقوبات أهل جهنم وهذا النعيم يدركه الشهيد كما انقطع نفسه من غير تأخير وهذا أمر انكشف لأرباب القلوب بنور اليقين وأن أردت عليه شهادة من جهة السمع فجميع أحاديث الشهداء تدل عليه وكل حديث يشتمل على التعبير عن منتهى نعيمهم بعبارة أخرى فقد روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر ألا أبشرك يا جابر وكان قد استشهد أبوه يوم أحد فقال بلى بشرك الله بالخير فقال إن الله عز وجل قد أحيا أباك وأقعده بين يديه وقال تمن على يا عبدي ما شئت أعطيكه فقال يا رب ما عبدتك حق عبادتك أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك فأقتل فيك مرة أخرى قال له أنه قد سبق منى أنك إليها لا ترجع حديث عائشة ألا أبشرك يا جابر الحديث وفيه إن الله أحيا أباك فأقعده بين يديه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت بإسناد فيه ضعيف وللترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث جابر ألا أبشرك بما لقى الله به أباك قال بلى يا رسول الله الحديث وفيه فقال ياعبدي تمن علي أعطك قال بارب تحيني فأقتل فيك ثانية قال الرب سبحانه إنه سبق مني أنهم لا يرجعون وقال كعب يوجد رجل في الجنة يبكي فيقال له لم تبكي وأنت في الجنة قال أبكي لأني لم أقتل في الله إلا قتلة واحدة فكنت أشتهى أن أرد فأقتل فيه قتلات واعلم أن المؤمن ينكشف له عقيب الموت من سعة جلال الله ما تكون الدنيا بالإضافة إليه كالسجن والمضيق ويكون مثاله كالمحبوس في بيت مظلم فتح له باب إلى بستان واسع الأكناف لا يبلغ طرفه أقصاه فيه أنواع الأشجار والأزهار والثمار والطيور فلا يشتهى العود إلى السجن المظلم وقد ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا فقال لرجل مات أصبح هذا مرتحلا عن الدنيا وتركها لأهلها فإن كان قد رضي فلا يسره أن يرجع إلى الدنيا كما لا يسر أحدكم أن يرجع إلى بطن أمه حديث قال لرجل مات أصبح هذا قد خلا من الدنيا وتركها لأهلها فإن كان قد رضي فلا يسره أن يرجع إلى الدنيا كما لا يسر أحدكم أن يرجع إلى بطن أمه أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث عمرو بن دينار مرسلا ورجاله ثقات فعرفك بهذا أن نسبة سبعة الآخرة إلى الدنيا كنسبة سعة الدنيا إلى ظلمة الرحم وقال صلى الله عليه وسلم أن مثل المؤمن في الدنيا كمثل الجنين في بطن أمه إذا خرج من بطنها بكى على مخرجه حتى إذا رأى الضوء ووضع لم يحب أن يرجع إلى مكانه حديث إن مثل المؤمن في الدنيا كمثل الجنين في بطن أمه إذا خرج من بطنها بكى على مخرجه حتى إذا رأى الضوء ووضع لم يحب أن يرجع إلى مكانه أخرجه ابن أبي الدنيا فيه من رواية بقية عن جابر بن غانم السلفي عن سليم بن عامر الجنائزي مرسلا هكذا وكذلك المؤمن يجزع من الموت فإذا أفضى إلى ربه لم يحب أن يرجع إلى الدنيا كما لا يحب الجنين أن يرجع إلى بطن أمه وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فلانا قد مات فقال مستريح أو مستراح منه حديث قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فلانا قد مات فقال مستريح أو مستراح منه متفق عليه من حديث أبي قتادة بلفظ مر عليه جنازة فقال ذلك وهو عند ابن أبي الدنيا في الموت باللفظ الذي أورده المصنف أشار بالمستريح إلى المؤمن وبالمستراح منه إلى الفاجر إذ يستريح أهل الدنيا منه وقال أبو عمر صاحب السقيا مر بنا ابن عمر ونحن صبيان فنظر إلى قبر فإذا جمجمة بادية فأمر رجلا فواراها ثم قال إن هذه الأبدان ليس يضرها هذا الثرى شيئا وإنما الأرواح التي تعاقب وتثاب إلى يوم القيامة وعن عمرو بن دينار قال ما من ميت يموت إلا وهو يعلم ما يكون في أهله بعده وإنهم ليغسلونه ويكفنونه وإنه لينظر إليهم وقال مالك بن أنس بلغني أن أرواح المؤمنين مرسلة تذهب حيث شاءت وقال النعمان ابن بشير سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول ألا إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب يمور في جوها فالله الله في إخوانكم من أهل القبور فإن أعمالكم تعرض عليهم حديث النعمان بن بشير ألا إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب يمور في جوفها فالله الله في إخوانكم من أهل القبور فإن أعمالكم تعرض عليهم أخرجه ابن أبي الدنيا أبو بكر بن لال من رواية مالك بن أدى عن النعمان من قوله الله الله ورواه بكماله الأزدي في الضعفاء وقال لا يصح إسناده وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل بكماله في ترجمة أبي إسماعيل السكوني رواية عن مالك بن أدي ونقل عن أبيه أن كلا منهما مجهول قال الأزدي لا يصح إسناده وذكر ابن حبان في الثقات مالك بن أدى وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور حديث أبي هريرة لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور أخرجه ابن أبي الدنيا والمحاملي بإسناد ضعيف ولأحمد من رواية من سمع انسانا عن أنس إن أعمالكم فإنها تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات الحديث ولذلك قال أبو الدرداء اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة وكان قد مات وهو خاله وسئل عبد الله بن عمرو بن العاص عن أرواح المؤمنين إذا ماتوا أين هي قال في حواصل طير بيض في ظل العرش وأرواح الكافرين في الأرض السابعة وقال أبو سعيد الخدري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الميت يعرف من يغسله ومن يحمله ومن يدليه في قبره حديث أبي سعيد الخدري إن الميت يعرف من يغسله ومن يحمله ومن يدليه في قبره رواه أحمد من رواية رجل عنه اسمه معاوية أو ابن معاوية وقال صالح المري بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم كيف كان مأواك وفي أي الجسدين كنت في طيب أو خبيث وقال عبيد بن عمير أهل القبور يترقبون الأخبار فإذا أتاهم الميت قالوا ما فعل فلان فيقول ألم يأتكم أو ما قدم عليكم فيقولون إنا لله وإنا إليه راجعون سلك به غير سبيلنا وعن جعفر بن سعيد قال إذا مات الرجل استقبله ولده كما يستقبل الغائب وقال مجاهد إن الرجل ليبشر بصلاح ولده في قبره وروى أبو أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها أهل الرحمة من عند الله كما يتلقى البشير في الدنيا يقولون انظروا أخاكم حتى يستريح فإنه كان في كرب شديد فيسألونه ماذا فعل فلان وماذا فعلت فلانه وهل تزوجت فلانة فإذا سألوه عن رجل ميت قبله وقال مات قبلي قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية حديث أبي أيوب أن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاهاتلقاها أهل الرحمة من عند الله كما يتلقى البشير يقولون انظروا أخاكم حتى يستريح أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت والطبراني في مسند الشامين بإسناد ضعيف ورواه ابن المبارك في الزهد موقوفا على أبي أيوب بإسناد جيد ورفعه ابن صاعد في زوائده على الزهد وفيه سلام الطويل ضعيف وهو عند النسائي وابن حبان نحوه من حديث.
بيان كلام القبر للميت وكلام الموتى إما بلسان المقال أو بلسان الحال التي هي أفصح في تفهيم الموتى من لسان المقال في تفهيم الأحياء
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك يا ابن آدم ما غرك بي ألم تعلم أني بيت الفتنة وبيت الظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود ما غرك بي إذ كنت تمر بي فذاذا فإن كان مصلحا أجاب عنه مجيب القبر فيقول أرأيت إن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقول القبر إني إذا أتحول عليه خضرا ويعود جسده نورا وتصعد روحه إلى الله تعالى حديث يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك يا ابن آدم ما غرك بي ألم تعلم أني بيت الفتنه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور والطبراني في مسند الشامين وأبو أحمد الحاكم في السكني من حديث أبي الحجاج التمالي بإسناد ضعيف والفذاذ هو الذي يقدم رجلا ويؤخر أخرى هكذا فسره الراوي وقال عبيد بن عمير الليثي ليس من ميت يموت إلا نادته حفرته التي يدفن فيها أنا بيت الظلمة والوحدة والإنفراد فإن كنت في حياتك لله مطيعا كنت عليك اليوم رحمة وإن كنت عاصيا فأنا اليوم عليك نقمة أنا الذي من دخلني مطيعا خرج مسرورا ومن دخلني عاصيا خرج مثبورا وقال محمد بن صبيح بلغنا أن الرجل إذا وضع في قبره عذب أو أصابه بعض ما يكره ناداه جيرانه من الموتى أيها المتخلف في الدنيا بعد إخوانه وجيرانه أما كان لك فينا معتبر أما كان لك في متقدمنا إياك فكرة أما رأيت انقطاع أعمالنا عنا وأنت في المهلة فهلا استدركت ما فات إخوانك وتناديه بقاع الأرض أيها المغتر بظاهر الدنيا هلا اعتبرت بمن غيب من أهلك في بطن الأرض ممن غرته الدنيا قبلك ثم سبق به أجله إلى القبور وأنت تراه محمولا تهاداه أحبته إلى المنزل الذي لا بد له منه وقال يزيد الرقاشي بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوشته أعماله ثم أنطقها الله فقالت أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم عندنا وقال كعب إذا وضع العبد الصالح في القبر احتوشته أعماله الصالحة الصلاة والصيام والحج والجهاد والصدقة قال فتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة إليكم عنه فلا سبيل لكم عليه فقد أطال بي القيام لله عليهما فيأتونه من قبل رأسه فيقول الصيام لا سبيل لكم عليه فقد أطال ظمأه لله في الدار الدنيا فلا سبيل لكم عليه فيأتونه من قبل جسده فيقول الحج والجهاد إليكم عنه فقد أنصب نفسه وأتعب بدنه وحج وجاهد لله فلا سبيل لكم عليه قال فيأتونه من قبل يديه فتقول الصدقة كفوا عن صاحبي فكم من صدقه خرجت من هاتين اليدين حتى وقعت في يد الله تعالى ابتغاء وجهه فلا سبيل لكم عليه قال فيقال له هنيئا طبت حيا وطبت ميتا قال وتأتيه ملائكة الرحمة فتفرش له فراشا من الجنة ودثارا من الجنة ويفسح له في قبره مد بصره ويؤتى بقنديل من الجنة فيستضيء بنوره إلى يوم يبعثه الله من قبره وقال عبد الله بن عبيد بن عمير في جنازة بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الميت يقعد وهو يسمع خطو مشيعيه فلا يكلمه شيء إلا قبره ويقول ويحك ابن آدم أليس قد حذرتني وحذرت ضيقي ونتني وهولي ودودي فماذا أعددت لي حديث عبد الله بن عبيد بن عمير بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الميت يقعد وهو يسمع خطو مشيعيه فلا يكلمه إلا قبره يقول ويحك يا ابن آدم الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في القبور هكذا مرسلا ورجاله ثقات ورواه ابن المبارك في الزهد إلا أنه قال بلغني ولم يرفعه.
بيان عذاب القبر وسؤال منكر ونكير
قال البراء بن عازب خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبره منكسا رأسه ثم قال اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ثلاثا ثم قال إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة بعث الله ملائكة كأن وجوههم الشمس معهم حنوطه وكفنه فيجلسون مد بصره فإذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت أبواب السماء فليس منها باب إلا يحب أن يدخل بروحه منه فإذا صعد بروحه قيل أي رب عبدك فلان فيقول ارجعوه فأروه ما أعددت له من الكرامة فإني وعدته منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى يقال يا هذا من ربك وما دينك وما نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم قال فينتهرأنه انتهارا شديدا وهي آخر فرصة تعرض على الميت فإذا قال ذلك نادى مناد أن قد صدقت وهي معنى قوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ثم يأتيه آت حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول أبشر برحمة ربك وجنات فيها نعيم مقيم فيقول وأنت فبشرك الله بخير من أنت فيقول أنا عملك الصالح والله ما علمت أن كنت لسريعا إلى طاعة الله بطيئا عن معصية الله فجزاك الله خيرا قال ثم يناد مناد أن افرشوا له من فرش الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيفرش له من فرش الجنة ويفتح له باب إلى الجنة فيقول اللهم عجل قيام الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي قال وأما الكافر فإنه إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة غلاظ شداد معهم ثياب من نار وسرابيل من قطران فيحتوشونه فإذا خرجت نفسه لعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وغلقت أبواب السماء فليس بها باب إلا يكره أن يدخل بروحه منه فإذا صعد بروحه نبذ وقيل أي ربعبدك فلان لم تقبله سماء ولا ارض فيقول الله عز وجل ارجعوه فأروه ما أعددت له من الشر إني وعدته منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى وأنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى يقال له يا هذا من ربك ومن نبيك وما دينك فيقول لا أدرى فيقال لا دريت ثم يأتيه آت قبيح الوجه منتن الريح قبيح الثياب فيقول أبشر بسخط من الله وبعذاب أليم مقيم فيقول بشرك الله شرا من أنت فيقول أنا عملك الخبيث والله إن كنت لسريعا في معصية الله بطيئا عن طاعة الله فجزاك الله شرا فيقول وأنت فجزاك الله شرا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم معه مرزبة من حديد لو اجتمع عليها الثقلان على أن يقلوها لم يستطيعوا لو ضرب بها جبل صار ترابا فيضربه بها ضربةفيصير ترابا ثم تعود فيه الروح فيضربه بها بين عينيه ضربة يسمعها من على الأرضين ليس الثقلين قال ثم ينادي مناد أن افرشوا له لوحين من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيفرش له لوحان من نار ويفتح له باب إلى النار حديث البراء خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبره منكسا رأسه ثم قال اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر الحديث بطوله أخرجه أبو داود والحاكم بكماله قال صحيح على شرط الشيخين وضعفه ابن حبان ورواه النسائي وابن ماجه مختصرا وقال محمد بن علي ما من ميت يموت إلا مثل له عند الموت أعماله الحسنة وأعماله السيئة قال فيشخص إلى حسناته ويطرق عن سيئاته وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر الريحان فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ويقال أيتها النفس المطمئنة اخرجي راضية ومرضيا عنك إلى روح الله وكرامته فإذا أخرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليها الحريرة وبعث بها إلى عليين وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال أيتها النفس الخبيثة أخرجي ساخطة ومسخوط عليك إلى هوان الله وعذابه فإذا أخرجت روحه وضعت على تلك الجمرة وأن لها نشيشا ويطوى عليها المسح ويذهب بها إلى سجين حديث أبي هريرة إن المؤمن إذا حضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر الريحان الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا وابن حبان مع اختلاف والبزار بلفظ المصنف وعن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقرأ قوله تعالى حتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربي ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت قال أي شيء تريد في أي شيء ترغب أتريد أن ترجع لتجمع المال وتغرس الغراس وتبني البنيان وتشق الأنهار قال لا لعلي أعمل صالحا فيما تركت قال فيقول الجبار كلا أنها كلمة هو قائلها أي ليقولنها عند الموت وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن في قبره في روضة خضراء ويرحب له في قبره سبعون ذراعا ويضىء حتى يكون كالقمر ليلة البدر هل تدرون فيماذا أنزلت فإن له معيشة ضنكا قالوا الله ورسوله أعلم قال عذاب الكافر في قبره يسلط عليه تسعة وتسعون تنينا هل تدرون ما التنين تسعة وتسعون حية لكل حية تسعة رؤوس يخدشونه ويلحسونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون حديث أبي هريرة المؤمن في قبره في روضة خضراء ويرحب له في قبره سبعون ذراعا الحديث ورواه ابن حبان ولا ينبغي أن يتعجب من هذا العدد على الخصوص فإن أعداد هذه الحيات والعقارب بعدد الأخلاق المذمومة من الكبر والرياء والحسد والغل والحقد وسائر الصفات فإن لها أصولا معدودة ثم تتشعب منها فروع معدودة ثم تنقسم فروعها إلى أقسام وتلك الصفات بأعيانها هي المهلكات وهي بأعيانها تنقلب عقارب وحيات فالقوي منها يلدغ لدغ التنين والضعيف يلدغ لدغ العقرب وما بينهما يؤذي إيذاء الحية وأرباب القلوب والبصائر يشاهدون بنور البصيرة هذه المهلكات والشعاب فروعها إلا أن مقدار عددها لا يوقف عليه إلا بنور النبوة فأمثال هذه الأخبار لها ظواهر صحيحة وأسرار خفية ولكنها عند أرباب البصائر واضحة فمن لم تنكشف له حقائقها فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها بل أقل درجات الإيمان التصديق والتسليم فإن قلت فنحن نشاهد الكافر في قبره مدة ونراقبه ولا نشاهد شيئا من ذلك فما وجه التصديق على خلاف المشاهدة فأعلم أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا إحداهما وهو الأظهر والأصح والأسلم أن تصدق بأنها موجودة وهي تلدغ الميت ولكنك لا تشاهد ذلك فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من علم الملكوت أما ترى الصحابة رضي الله عنهم كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل وما كانوا يشاهدونه ويؤمنون بأنه عليه السلام يشاهده فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهم عليك وإن كنت آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي مالا تشاهده الأمة فكيف لا تجوز هذا في الميت وكما أن الملك لا يشبه الآدميين والحيوانات فالحيات والعقارب التي تلدغ في القبر ليست من جنس حيات عالمنا بل هي جنس آخر وتدرك بحاسة أخرى المقام الثاني أن تتذكر أمر النائم وأنه قد يرى في نومه حية تلدغه وهو يتألم بذلك حتى تراه يصبح في نومه ويعرق جبينه وقد ينزعج من مكانه كل ذلك يدركه من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان وهو يشاهده وأنت ترى ظاهره ساكنا ولا ترى حواليه حية والحية موجودة في حقه والعذاب حاصل ولكنه في حقك غير مشاهد وإذا كان العذاب في ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد المقام الثالث أنك تعلم أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها وهو السم ثم السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب قد توفر وكان لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضى إليه في العادة فإنه لو خلق في الإنسان لذة الوقاع مثلا من غير مباشرة صورة الوقاع لم يمكن تعريفها إلا بالإضافة إليه لتكون الإضافة للتعريف بالسبب وتكون ثمرة السبب حاصلة وإن لم تحصل صورة السبب السبب يراد لثمرته لا لذاته وهذه الصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت فتكون آلامها كآلام لدغ الحيات من غير وجود حيات وانقلاب الصفة مؤذية يضاهي انقلاب العشق مؤذيا عند موت المعشوق فإن كان لذيذا فطرأت حالة صار اللذيذ بنفسه مؤلما حتى يرد بالقلب وأنواع العذاب ما يتمنى معه أن لم يكن قد تنعم من العشق والوصال بل هذا بعينه أحد أنواع عذاب الميت فإنه قد سلط العشق في الدنيا على نفسه فصار يعشق ماله وعقاره وجاهه وولده وأقاربه ومعارفه ولو أخذ جميع ذلك في حياته من لا يرجو استرجاعه منه فماذا ترى يكون حاله أليس يعظم شقاؤه ويشتد عذابه ويتمنى ويقول ليته لم يكن لي مال قط ولا جاه قط فكنت لا أتاذى بفراقه فالموت عبارة عن مفارقة المحبوبات الدنيوية كلها دفعة واحدة ما حال من كان له واحد غيب عنه ذلك الواحد فما حال من لا يفرح إلا بالدنيا فتؤخذ منه الدنيا وتسلم إلى أعدائه ثم ينضاف إلى هذا العذاب تحسره على ما فاته من نعيم الآخرة والحجاب عن الله عز وجل فإن حب غير الله يحجبه عن لقاء الله والتنعم به فيتوالى عليه ألم فراق جميع محبوباته وحسرته ما فاته من نعيم الآخرة أبد الآباد وذل الرد والحجاب عن الله تعالى وذلك هو العذاب الذي يعذب به إذ لا يتبع نار الفراق إلا نار جهنم كما قال تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم وأما من لم يأنس بالدنيا ولم يحب إلا الله وكان مشتاقا إلى لقاء الله فقد تخلص من سجن الدنيا ومقاساة الشهوات فيها وقدم على محبوبه وانقطعت عنه العوائق والصوارف وتوفر عليه النعيم مع الأمن من الزوال أبد الآباد ولمثل ذلك فليعمل العاملون والمقصود أن الرجل قد يحب فرسه بحيث لو خير بين أن يؤخذ منه وبين أن تلدغه عقرب آثر الصبر على لدغ العقرب فإذن ألم فراق الفرس عنده أعظم من العقرب وحبه الفرس هو الذي يلدغه إذا أخذ منه فرسه فليستعد لهذه اللدغات فإن الموت يأخذ منه فرسه ومركبه وداره وعقاره وأهله وولده وأحبائه ومعارفه ويأخذ منه جاهه وقبوله بل يأخذ منه سمعه وبصره وأعضاءه وييأس من رجوع جميع ذلك إليه فإذا لم يحب سواه وقد أخذ جميع ذلك منه فذلك أعظم عليه من العقارب والحيات وكما لو أخذ ذلك منه وهو حي فيعظم عقابه فكذلك إذا مات لأنا قد بينا أن المعنى الذي هو المدرك للآلام واللذات لم يمت بل عذابه بعد الموت أشد لأنه في الحياة يتسلى بأسباب يشغل بها حواسه من مجالسة ومحادثة ويتسلى برجاء العود إليه ويتسلى برجاء العوض منه ولا سلوة بعد الموت إذ قد انسد عليه طرق التسلي وحصل اليأس فإذن كل قميص له ومنديل قد أحبه بحيث كان يشق عليه لو أخذ منه فإنه يبقى متأسفا عليه ومعذبا به فإن كان مخفا في الدنيا سلم وهو المعني بقولهم نجا المخفون وإن كان مثقلا عظم عذابه وكما أن الحال من يسرق منه دينار أخف من حال من يسرق منه عشرة دنانير فكذلك حال صاحب الدرهم أخف من حال صاحب الدرهمين وهو المعني بقوله صلى الله عليه وسلم صاحب الدرهم أخف حسابا من صاحب الدرهمين حديث صاحب الدرهم أخف حسابا من صاحب الدرهمين وما من شيء من الدنيا يتخلف عنك عند الموت إلا وهو حسرة عليك بعد الموت فإن شئت فاستكثر وإن شئت فاستقلل فإن استكثرت فلست بمستكثر إلا من الحسرة وإن استقللت فلست تخفف إلا من ظهرك وإنما تكثر الحيات والعقارب في قبور الأغنياء الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وفرحوا بها واطمأنوا إليها فهذه مقامات الإيمان في حيات القبر وعقاربه وفي سائر أنواع عذابه رأى أبو سعيد الخدري ابنا له قد مات في المنام فقال له يا بني عظني قال لا تخالف الله تعالى فيما يريد قال يا بني زدني قال يا أبت لا تطيق قال قل قال لا تجعل بينك وبين الله قميصا فما لبس قميصا ثلاثين سنة فإن قلت فما الصحيح من هذه المقامات الثلاث فأعلم أن في الناس من لم يثبت إلا الأول وأنكر ما بعده ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني ومنهم من لم يثبت إلا الثالث وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن كل ذلك في حيز الإمكان وأن من ينكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرة الله سبحانه وعجائب تدبيره فينكر من أفعال الله تعالى ما لم يأنس به ويألفه وذلك جهل وقصور بل هذه الطرق الثلاثة في التعذيب ممكنة والتصديق بها واجب ورب عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع ورب عبد تجمع عليه هذه الأنواع الثلاثة نعوذ بالله من عذاب الله قليله وكثيره هذا هو الحق فصدق به تقليدا فيعز على بسيط الأرض من يعرف ذلك تحقيقا والذي أوصيك به أن لا تكثر نظرك في تفصيل ذلك ولا تشتغل بمعرفته بل اشتغل بالتدبير في دفع العذاب كيفما كان فإن أهملت العمل والعبادة واشتغلت بالبحث عن ذلك كنت كمن أخذه سلطان وحبسه ليقطع يده ويجدع أنفه فأخذ طول الليل يتفكر في أنه هل يقطعه بسكين أو بسيف أو بموسى وأهمل طريق الحيلة في دفع أصل العذاب عن نفسه وهذا غاية الجهل فقد علم على القطع أن العبد لا يخلو بعد الموت من عذاب عظيم أو نعيم مقيم فينبغي أن يكون الاستعداد له فأما البحث عن تفصيل العقاب والثواب ففضول وتضييع زمان.
بيان سؤال منكر ونكير وصورتهما وضغطة القبر وبقية القول في عذاب القبر
قال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات العبد أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير فيقولان ما كنت تقول في النبي فإن كان مؤمنا قال هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فيقولان إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا وينور له في قبره ثم يقال له نم فيقول دعوني أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقال له نم فينام كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقا قال لا أدري كنت أسمع الناس يقولون شيئا وكنت أقوله فيقولان إن كنا لنعلم أنك تقول ذلك ثم يقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف فيها أضلاعه فلا يزال معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك حديث أبي هريرة إذا مات العبد أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير الحديث أخرجه الترمذي وحسنه وابن حبان مع اختلاف وعن عطاء بن يسار قال قال رسول الله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا عمر كيف بك إذا انت مت فانطلق بك قومك فقاسوا لك ثلاثة أذرع في ذراع وشبر ثم رجعوا إليك فغسلوك وكفنوك وحنطوك ثم احتملوك حتى يضعوك فيه ثم يهيلوا عليك التراب ويدفنوك فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف يجران أشعارهما ويبحثان القبر بأنيابهما فتلتلاك وترتراك كيف بك عند ذلك يا عمر فقال عمر ويكون معى مثل عقلي الآن قال نعم قال إذن أكفيكهما حديث عطاء بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر ابن الخطاب يا عمر كيف بك إذا أنت مت فانطلق بك قومك فقاسوا لك ثلاثة أذرع في ذراع وشبر الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب القبور هكذا مرسلا ورجاله ثقات قال البيهقي في الاعتقاد رويناه من وجه صحيح عن عطاء بن يسار مرسلا قلت ووصله ابن بطة في الأبانة من حديث ابن عباس ورواه البيهقي في الاعتقاد من حديث عمر وقال غريب بهذا الأسناد تفرد به مفضل ولأحمد وابن حبان من حديث عبد الله بن عمر فقال عمر أيرد إلينا عقولنا فقال نعم كهيئتكم اليوم فقال عمر بغية الحجر وهذا نص صريح في أن العقل لا يتغير بالموت إنما يتغير البدن والأعضاء فيكون الميت عاقلا مدركا عالما بالآلام واللذات كما كان لا يتغيرمن عقله شيء وليس العقل المدرك هذه الأعضاء بل هو شيء باطن ليس له طول ولا عرض بل الذي لا ينقسم في نفسه هو المدرك للأشياء ولو تناثرت أعضاء الإنسان كلها ولم يبق إلا الجزء المدرك الذى لا يتجزأ ولا ينقسم لكان الإنسان العاقل بكماله قائما باقيا وهو كذلك بعد الموت فإن ذلك الجزء لا يحله الموت ولا يطرأ عليه العدم وقال محمد بن المنكدر بلغنى أن الكافر يسلط عليه في قبره دابة عمياء صماء في يدها سوط من حديد في رأسه مثل غرب الجمل تضربه به إلى يوم القيامة لا تراه فتتقيه ولا تسمع صوته فترحمه وقال أبو هريرة إذا وضع الميت في قبره جاءت أعماله الصالحة فاحتوشته فإن أتاه من قبل رأسه جاء قراءته للقرآن وإن أتاه من قبل رجليه جاء قيامه وإن أتاه من قبل يده قالت اليدان والله لقد كان يبسطني للصدقة والدعاء لا سبيل لكم عليه وإن جاء من قيل فيه جاء ذكره وصيامه وكذلك تقف الصلاة والصبر ناحية فيقول أما إني لو رأيت خللا لكنت أنا صاحبه قال سفيان تجاحش عنه أعماله الصالحة كما يجاحش الرجل عن أخيه وأهله وولده ثم يقال له عند ذلك بارك الله لك في مضجعك فنعم الأخلاء أخلاؤك ونعم الأصحاب أصحابك وعن حذيفة قال كنا مع رسول صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على رأس القبر ثم جعل ينظر فيه ثم قال يضغط المؤمن في هذا ضغطة ترد منه حمائله حديث حذيفة كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على رأس القبر ثم جعل ينظر فيه الحديث رواه أحمد وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن للقبر ضغطة ولو سلم أو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ حديث عائشة إن للقبر ضغطة لو سلم أو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ رواه أحمد وعن أنس قال توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة مسقامة فتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فساءنا حاله فلما انتهينا إلى القبر فدخله انتقع وجهه صفرة فلما خرج أسفر وجهه فقلنا يا رسول الله رأينا منك شأنا فمم ذلك قال ذكرت ضغطة ابنتي وشدة عذاب القبر فأتيت فأخبرت أن الله قد خفف عنها وقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين الخافقين حديث أنس توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة مسقامة الحديث وفيه لقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين الخافقين أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت.
الباب الثامن فيما عرف من أحوال الموتى بالمكاشفة في المنام
اعلم أن أنوار البصائر المستفادة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن مناهج الاعتبار تعرفنا أحوال الموتى على الجملة وانقسامهم إلى سعداء وأشقياء ولكن حال زيد وعمرو بعينه فلا ينكشف أصلا فإنا إن عولنا على إيمان زيد وعمرو فلا ندري على ماذا مات وكيف ختم له وإن عولنا على صلاحه الظاهر فالتقوى محله القلب وهو غامض يخفي على صاحب التقوى فكيف على غيره فلا حكم لظاهر الصلاح دون التقوى الباطن قال الله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين فلا يمكن معرفة حكم زيد وعمرو إلا بمشاهدته ومشاهدة ما يجري عليه وإذا مات فقد تحول من عالم الملك والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت فلا يرى بالعين الظاهرة وإنما يرى بعين أخرى خلقت تلك العين في قلب كل إنسان ولكن جعل عليها غشاوة كثيفة من شهواته وأشغاله الدنيوية فصار لا يبصر بها ولا يتصور أن يبصر بها شيئا من عالم الملكوت ما لم تنقشع تلك الغشاوة عن عين قلبه ولما كانت الغشاوة منقشعة عن أعين الأنبياء عليهم السلام فلا جرم نظروا إلى الملكوت وشاهدوا عجائبه والموتى في عالم الملكوت فشاهدوهم وأخبروا ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضغطة القبر في حق سعد ابن معاذ وفي حق زينب ابنته حديث رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ضغطة القبر في حق سعد بن معاذ وفي حق زينب ابنته وكذلك حال أبي جابر لما استشهد تقدمت الثلاثة أحاديث في الباب الذي قبله وكذلك حال أبي جابر لما استشهد إذ أخبره أن الله أقعده بين يديه ليس بينهما ستر ومثل هذه المشاهدة لا مطمع فيها لغير الأنبياء والأولياء الذين تقرب درجتهم منهم إنما الممكن من أمثالنا مشاهدة أخرى ضعيفة إلا أنها أيضا مشاهدة نبوية وأعني بها المشاهدة في المنام وهي من أنوار النبوة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة حديث الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة تقدم وهو أيضا انكشاف لا يحصل إلا بانقشاع الغشاوة عن القلب فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الرجل الصالح الصادق ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه ومن كثر فساده ومعاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغات أحلام ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطهارة عند النوم لينام طاهرا حديث أمره بالطهارة عند النوم متفق عليه من حديث البراء إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة الحديث وهو إشارة إلى طهارة الباطن أيضا فهو الأصل وطهارة الظاهر بمنزلة التتمة والتكملة لها ومهما صفا الباطن انكشف في حدقة القلب ما سيكون في المستقبل كما انكشف دخول مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم حتى نزل قوله تعالى لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق حديث انكشف دخول مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من رواية مجاهد مرسلا وقلما يخلوا الإنسان عن منامات دلت على أمور فوجدها صحيحة والرؤيا ومعرفة الغيب في النوم من عجائب صنع الله تعالى وبدائع فطرة الآدمي وهو من أوضح الأدلة على عالم الملكوت والخلق غافلون عنه كغفلتهم عن سائر عجائب القلب وعجائب العالم والقول في حقيقة الرؤيا من دقائق علوم المكاشفة فلا يمكن ذكره علاوة على علم المعاملة ولكن القدر الذي يمكن ذكره ههنا مثال يفهمك المقصود وهو أن تعلم أن القلب مثاله مثال مرآة تتراءى فيها الصور وحقائق الأمور وأن كل ما قدره الله تعالى من ابتداء خلق العالم إلى آخره مسطور ومثبت في خلق خلقة الله تعالى يعبر عنه تارة باللوح وتارة بالكتاب المبين وتارة بإمام مبين كما ورد في القرآن فجميع ما جرى في العالم وما سيجرى مكتوب فيه ومنقوش عليه نقشا لا يشاهد بهذه العين ولا تظنن أن ذلك اللوح من خشب أو حديد أو عظم وأن الكتاب من كاغد أو رق بل ينبغي أن تفهم قطعا أن لوح الله لا يشبه لوح الخلق وكتاب الله لا يشبه كتاب الخلق كما أن ذاته وصفاته لا تشبه ذات الخلق وصفاتهم بل إن كنت تطلب له مثالا يقربه إلى فهمك فأعلم أن ثبوت المقادير في اللوح يضاهي ثبوت كلمات القرآن وحروفه في دماغ حافظ القرآن وقلبه فإنه مسطور فيه حتى كأنه حين يقرؤه ينظر إليه ولو فتشت دماغه جزءا جزءا لم تشاهد من ذلك الخط حرفا وإن كان ليس هناك خط يشاهد ولا حرف ينظر فمن هذا النمط ينبغي أن تفهم كون اللوح منقوشا بجميع ما قدره الله تعالى وقضاه واللوح في المثال كمرآة ظهر فيها الصور فلو وضع في مقابلة المرآة مرآة أخرى لكانت صورة تلك المرآة تتراءى في هذه إلا أن يكون بينهما حجاب فالقلب مرآة تقبل رسوم العلم واللوح مرآة رسوم العلم كلها موجودة فيها واشتغال القلب بشهواته ومقتضى حواسه حجاب مرسل بينه وبين مطالعة اللوح اللوح الذي هو من عالم الملكوت فإن هبت ريح حركت هذا الحجاب ورفعته تلألأ في مرآة القلب شيء من عالم الملكوت كالبرق الخاطف وقد يثبت ويدوم وقد لا يدوم وهو الغالب وما دام متيقظا فهو مشغول بما تورده الحواس عليه من عالم الملك والشهادة وهو حجاب عن عالم الملكوت ومعنى النوم أن توكد الحواس عليه فلا تورده على القلب فإذا تخلص منه ومن الخيال وكان صافيا في جوهره ارتفع الحجاب بينه وبين اللوح المحفوظ فوقع في قلبه شيء مما في اللوح كما تقع الصورة من مرآة في مرآة أخرى إذا ارتفع الحجاب بينهما إلا أن النوم مانع سائر الحواس عن العمل وليس مانعا للخيال عن عمله وعن تحركه فما ويقع في القلب يبتدره الخيال فيحاكيه بمثال يقاربه وتكون المتخيلات أثبت في الحفظ من غيرها فيبقى الخيال في الحفظ فإذا انتبه لم يتذكر إلا الخيال فيحتاج المعبر أن ينظر إلى هذا الخيال حكاية أي معنى من المعانى فيرجع إلى المعاني بالمناسبة التي بين المتخيل والمعاني وأمثلة ذلك ظاهرة عند من نظر في علم التعبير ويكفيك مثال واحد وهو أن رجلا قال لابن سيرين رأيت كأن بيدي خاتما أختم به أفواه الرجال وفروج النساء فقال أنت مؤذن تؤذن قبل الصبح في رمضان قال صدقت فانظر أن روح الختم هو المنع ولأجله يراد الختم وإنما ينكشف للقلب حال الشخص من اللوح المحفوظ كما هو عليه وهو كونه مانعا للناس من الأكل والشرب ولكن الخيال ألف المنع عند الختم بالخاتم فثمتله بالصورة الخيالية التي تتضمن روح المعنى ولا يبقى في الحفظ إلا الصورة الخيالية فهذه نبذة يسيرة من بحر علم الرؤيا الذي لا تنحصر عجائبه وكيف لا وهو أخو الميت وإنما الموت هو عجب من العجائب وهذا لأنه يشبهه من وجه ضعيف أثر في كشف الغطاء عن عالم الغيب حتى صار النائم يعرف ما سيكون في المستقبل فماذا نرى في الموت الذي يخرق الحجاب ويكشف الغطاء بالكلية حتى يرى الإنسان عند انقطاع النفس من غير تأخير نفسه إما محفوفة بالأنكال والمخازي والفضائح نعوذ بالله من ذلك وإما مكنوفا بنعيم مقيم وملك كبير لا آخر له وعند هذا يقال للأشقياء وقد انكشف الغطاء لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ويقال أفسخر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تبصروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون وإليهم الإشارة بقوله تعالى وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون فأعلم العلماء وأحكم الحكماء ينكشف له عقيب الموت من العجائب والآيات ما لم يخطر قط بباله ولا اختلج به ضميره فلو لم يكن للعاقل هم وغم إلا الفكرة في خطر تلك الحال أن الحجاب عماذا يرتفع وما الذي ينكشف عنه الغطاء من شقاوة لازمة أم سعادة دائمة لكان ذلك كافيا في استغراق جميع العمر والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا وأعجب من ذلك فرحنا بأموالنا وأهلينا وبأسبابنا وذريتنا بل بأعضائنا وسمعنا وبصرنا مع أنا نعلم مفارقة جميع ذلك يقينا ولكن أين من ينفث روح القدس في روعة فيقول ما قال لسيد النبيين أحبب من أحببت فإنك مفارقه وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزى به حديث إن روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت فإنك مفارقه الحديث تقدم فلا جرم لما كان ذلك مكشوفا له بعين اليقين كان في الدنيا كعابر سبيل لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة حديث لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ولم يخلف دينارا ولا درهما حديث لم يخلف دينارا ولا درهما ولم يتخذ حبيبا ولا خليلا نعم قال لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن حديث لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر ولكن صاحبكم خليل الرحمن تقدم أيضا فبين أن خلة الرحمن تخللت باطن قلبه وأن حبه تمكن من حبة قلبه فلم يترك فيه متسعا لخليل ولا لحبيب وقد قال لأمته إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فإنما أمته من اتبعه وما اتبعه إلا من أعرض عن الدنيا وأقبل على الآخرة فإنه ما دعا إلا إلى الله واليوم الآخر وما صرف إلا عن الدنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عن الدنيا وأقبلت على الآخرة فقد سلكت سبيله الذي سلكه وبقدر ما سلكت سبيله فقد أتبعته وبقدر ما اتبعته فقد صرت من أمته وبقدر ما أقبلت على الدنيا عدلت عن سبيله ورغبت عن متابعته والتحقت بالذين قال الله تعالى فيهم فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى فلو خرجت من مكمن الغرور وأنصفت نفسك يا رجل وكلنا ذلك الرجل لعلمت أنك من حين تصبح إلى حين تمسي لا تسعى إلا في الحظوظ العاجلة ولا تتحرك ولا تسكن إلا لعاجل الدنيا ثم تطمع أن تكون غدا من أمته وأتباعه وما أبعد ظنك وما أبرد طمعك أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ولنرجع إلى ما كنا فيه وبصدده فقد امتد عنان الكلام إلى غير مقصده ولنذكر الآن من المنامات الكاشفة لأحوال الموتى ما يعظم الانتفاع به إذ ذهبت النبوة وبقيت المبشرات وليس ذلك إلا المنامات.
بيان منامات تكشف عن أحوال الموتى والأعمال النافعة في الآخرة
فمن ذلك رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام من رآني في المنام فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي حديث من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي متفق عليه من حديث أبي هريرة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فرأيته لا ينظر إلى فقلت يا رسول الله ما شأني فالتفت إلي وقال ألست المقبل وأنت صائم قال والذي نفسي بيده لا أقبل امرأة وأنا صائم أبدا وقال العباس رضي الله عنه كنت ودا لعمر فاشتهيت أن أراه في المنام فما رأيته إلا عند رأس الحول فرأيته يمسح العرق عن جبينه وهو يقول هذا أوان فراغي إن كان عرشي ليهد لولا أني لقيته رءوفا رحيما وقال الحسن بن علي قال لي علي رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنح لي الليلة في منامي فقلت يا رسول الله ما لقيت من أمتك قال أدع عليهم فقلت اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم وأبدلهم بي من هو شر لهم مني فخرج فضربه ابن ملجم وقال بعض الشيوخ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله استغفر لي فأعرض عني فقلت يا رسول الله إن سفيان بن عيينة حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنك لم تسأل شيئا قط فقلت لا فأقبل علي فقال غفر الله لك حديث ابن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا رواه مسلم وقد تقدم وروى عن العباس بن عبد المطلب قال كنت مواخيا لأبي لهب مصاحبا له فلما مات وأخبر الله عنه بما أخبر حزنت عليه وأهمني أمره فسألت الله تعالى حولا أن يريني إياه في المنام قال فرأيته يلتهب نارا فسألته عن حاله فقال صرت إلى النار في العذاب لا يخفف عني ولا يروح إلا ليلة الاثنين في كل الأيام والليالي قلت وكيف ذلك قال ولد في تلك الليلة محمد صلى الله عليه وسلم فجاءتني أميمة فبشرتني بولادته آمنة إياه ففرحت به وأعتقت وليدة لي فرحا به فأثابني الله بذلك أن رفع عني العذاب في كل ليلة اثنين وقال عبد الواحد بن زيد خرجت حاجا فصحبني رجل كان لا يقوم ولا يقعد ولا يتحرك ولا يسكن إلا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال أخبرك عن ذلك خرجت أول مرة إلى مكة ومعي أبي فلما انصرفنا نمت في بعض المنازل فبينما أنا نائم إذ أتاني آت فقال لي قم فقد أمات الله أباك وسود وجهه قال فقمت مذعورا فكشفت الثوب عن وجهه فإذا هو ميت أسود الوجه فداخلني من ذلك رعب فبينما أنا في ذلك الغم إذ غلبتني عيني فنمت فإذا على رأس أبي أربعة سودان معهم أعمدة حديد إذ أقبل رجل حسن الوجه بين ثوبين أخضرين فقال لهم تنحوا فمسح وجهه بيده ثم أتاني فقال قم فقد بيض الله وجه أبيك فقلت له من أنت بأبي أنت وأمي فقال أنا محمد قال فقمت فكشفت الثوب عن وجه أبي فإذا هو أبيض فما تركت الصلاة بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عمر بن عبد العزيز قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما جالسان عنده فسلمت وجلست فبينما أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية فأدخلا بيتا وأجيف عليهما الباب وأنا أنظر فما كان بأسرع من أن خرج علي رضي الله عنه وهو يقول قضى لي ورب الكعبة وما كان بأسرع من أن خرج معاوية على أثره وهو يقول غفر لي ورب الكعبة واستيقظ ابن عباس رضي الله عنهما مرة من نومه فاسترجع وقال قتل الحسين والله وكان ذلك قبل قتله فأنكره أصحابه فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زجاجة من دم فقال ألا تعلم ما صنعت أمتي بعدي قتلوا بني الحسين وهذا دمه ودم أصحابه أرفعهما إلى الله تعالى فجاء الخبر بعد أربعة وعشرين يوما بقتله في اليوم الذي رآه ورؤى الصديق رضي الله عنه فقيل له إنك كنت تقول أبدا في لسانك هذا أوردني الموارد فماذا فعل الله بك قال قلت به لا إله إلا الله فأوردني الجنة.
بيان منامات المشايخ رحمة الله عليهم أجمعين
قال بعض المشايخ رأيت متمما الدورقي في المنام فقلت يا سيدي ما فعل الله بك فقال دير بي في الجنان فقيل لي يا متمم هل استحسنت فيها شيئا قلت لا يا سيدي فقال لو استحسنت منها شيئا لوكلتك إليه ولم أوصلك إلى ورؤى يوسف بن الحسين في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي قيل بماذا قال ما خلطت جدا بهزل وعن منصور بن إسماعيل قال رأيت عبد الله بن البزار في النوم فقلت ما فعل الله بك قال أوقفني بين يديه فغفر لي كل ذنب أقررت به إلا ذنبا واحدا فإني استحييت أن أقر به فاوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي فقلت ما كان ذلك لذنب قال نظرت إلى غلام جميل فاستحسنته فاستحييت من الله أن أذكره وقال أبو جعفر الصيدلاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم وحوله جماعة من الفقراء فبينما نحن كذلك إذ انشقت السماء فنزل ملكان أحدهما بيده طشت وبيد الآخر إبريق فوضع الطشت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل يده ثم أمر حتى غسلوا ثم وضع الطشت بين يدي فقال أحدهما للآخر لا تصب على يده فإنه ليس منهم فقلت يا رسول الله أليس قد روى عنك أنك قلت المرء مع من أحب قال بلى قلت يا رسول الله فإني أحبك وأحب هؤلاء الفقراء فقال صلى الله عليه وسلم صب على يده فإنه منهم وقال الجنيد رأيت في المنام كأني أتكلم على الناس فوقف على ملك فقال أقرب ما تقرب به المتقربون إلى الله تعالى ماذا فقلت عمل خفي بميزان وفي قولي الملك وهو يقول كلام موفق والله ورؤى مجمع في النوم فقيل له كيف رأيت الأمر فقال رأيت الزاهدين في الدنيا ذهبوا بخير الدنيا والآخرة وقال رجل من أهل الشام للعلاء بن زياد رأيتك في النوم كأنك في الجنة فنزل عن مجلسه وأقبل عليه ثم قال لعل الشيطان أراد أمرا فعصمت منه فأشخص رجلا يقتلني وقال محمد بن واسع الرؤيا تسر المؤمن ولا تغره وقال صالح بن بشير رأيت عطاء السلمي في النوم فقلت له رحمك الله لقد كنت طويل الحزن في الدنيا قال أما والله لقد أعقبني ذلك راحة طويلة وفرحا دائما فقلت في أي الدرجات أنت فقال مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وسئل زرارة بن أبي أوفى في المنام أي الأعمال أفضل عندكم فقال الرضا وقصر الأمل وقال يزيد بن مذعور رأيت الأوزاعي في المنام فقلت يا أبا عمرو دلني على عمل أتقرب به إلى الله تعالى قال ما رأيت هناك درجة أرفع من درجة العلماء ثم درجة المحزونين قال وكان يزيد شيخا كبيرا فلم يزل يبكي حتى أظلمت عيناه وقال ابن عيينة رأيت أخي في المنام فقلت يا أخي ما فعل الله بك فقال كل ذنب استغفرت منه غفر لي وما لم استغفر منه لم يغفر لي وقال على الطلحي رأيت في المنام امرأة لا تشبه نساء الدنيا فقلت من أنت فقالت حوراء فقلت زوجيني نفسك قالت اخطبني إلى سيدي وأمهرني قلت وما مهرك قالت حبس نفسك عن آفاتها وقال إبراهيم بن إسحق الحربي رأيت زبيدة في المنام فقلت ما فعل الله بك قالت غفر لي فقلت لها بما أنفقت في طريق مكة قالت أما النفقات التي أنفقتها رجعت أجورها إلى أربابها وغفر لي ببنتي ولما مات سفيان الثوري رؤى في المنام فقيل له ما فعل بك قال وضعت أول قدمي على الصراط والثاني في الجنة وقال أحمد بن أبي الحواري رأيت فيما يرى النائم جارية ما رأيت أحسن منها وكان يتلألأ وجهها نورا فقلت لها مماذا ضوء وجهك قالت تذكر تلك الليلة التي بكيت فيها قلت نعم قالت أخذت دمعك فمسحت به وجهي فمن ثم ضوء وجهي كما ترى وقال الكتاني رأيت الجنيد في المنام فقلت له ما فعل الله بك قال طاحت تلك الإشارات وذهبت تلك العبارات وما حصلنا إلا على ركعتين كنا نصليهما في الليل ورؤيت زبيدة في المنام فقيل لها ما فعل الله بك قالت غفر لي بهذه الكلمات الأربع لا إله إلا الله أفني بها عمري لا إله إلا الله أدخل بها قبري لا إله إلا الله أخلو بها وحدي لا إله إلا الله ألقى بها ربي عز وجل وقال يا بشر أما استحييب منى كنت تخافنى كل ذلك الخوف ورؤى أبو سليمان في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال رحمنى ورؤى بشر في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال رحمني وما كان شيء أضر على من إشارات القوم إلى وقال أبو بكر الكتاني رأيت في النوم شابا لم أر أحسن منه فقلت له من أنت قال التقوى قلت فأين تسكن قال كل قلب حزين ثم التفت فإذا امرأة سوداء فقلت من أنت قالت أنا السقم قلت فأين تسكنين قالت كل قلب فرح مرح قال فانتبهت وتعاهدت أن لا أضحك إلا غلبة وقال أبو سعيد الخراز رأيت في المنام كأن إبليس وثب على فأخذت العصا لأضربه فلم يفزع منها فهتف بي هاتف إن هذا لا يخاف من هذه وإنما يخاف من نور يكون في القلب وقال المسوحى رأيت إبليس في النوم يمشى عريانا فقلت ألا تستحي من الناس فقال بالله هؤلاء ناس لو كانوا من الناس ما كنت ألعب بهم طرفي النهار كما يتلاعب الصبيان بالكرة بل الناس قوم غير هؤلاء قد أسقموا جسمي وأشار بيده إلى أصحابنا الصوفية وقال أبو سعيد الخراز كنت في دمشق فرأيت في المنام كأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءني متكئا على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فجاء فوقف على وأنا أقول شيئا من الأصوات وأدق في صدري فقال شر هذا أكثر من خيره وعن ابن عيينة قال رأيت سفيان الثوري في النوم كأنه في الجنة يطير من شجرة إلى شجرة يقول لمثل هذا فليعمل العاملون فقلت له أوصني قال أقلل من معرفة الناس وروى أبو حاتم الرازي عن قبيصة بن عقبة قال رأيت سفيان الثوري فقلت ما فعل الله بك فقال نظرت إلى ربي كفاحا فقال لي هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد فقد كنت قواما إذا أظلم الدجى بعبرة مشتاق وقلب عميد فدونك فاختر أي قصر أردته وزرني فإني منك غير بعيد ورؤى الشبلي بعد موته بثلاثة أيام فقيل له ما فعل الله بك قال ناقشني حتى أيست فلما رأى يأسي تغمدني برحمته ورؤى بني عامر بعد موته في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي وجعلني حجة على المحبين ورؤى الثوري في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال رحمني فقيل له ما حال عبد الله بن المبارك فقال هو ممن يلج على ربه في كل يوم مرتين ورؤى بعضهم فسئل عن حاله فقال حاسبونا فدققوا ثم منوا فأعتقوا ورؤى مالك بن أنس فقيل ما فعل الله بك قال غفر لي بكلمة كان يقولها عثمان بن عفان رضي الله عنه عند رؤية الجنازة سبحان الحي الذي لا يموت ورؤى في الليلة التي مات فيها الحسن البصري كأن أبواب السماء مفتحة وكأن مناديا ينادي ألا إن الحسن البصري قدم على الله وهو عنه راض ورؤى الجاحظ فقيل له ما فعل الله بك فقال ولا تكتب بخطك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه ورأى الجنيد إبليس في المنام عريانا فقال ألا تستحي من الناس فقال وهؤلاء ناس الناس أقوام في مسجد الشونيزيه قد أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي قال الجنيد فلما انتبهت غدوت إلى المسجد فرأيت جماعة قد وضعوا رءوسهم على ركبهم يتفكرون فلما رأوني قالوا لا يغرنك حديث الخبيث ورؤى النصر أباذي بمكة بعد وفاته في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال عوتبت عتاب الأشراف ثم نوديت يا أبا القاسم بعد الاتصال انفصال فقلت لا يا ذا الجلال فما وضعت في اللحد حتى لحقت بربي ورأى عتبة الغلام حوراء في المنام على صورة حسنة فقالت يا عتبة أنا لك عاشقة فانظر لا تعمل من الأعمال شيئا فيحال بيني وبينك فقال عتبة طلقت الدنيا ثلاثا لا رجعة لي عليها حتى ألقاك وقيل رأى أيوب السختياني جنازة عاص فدخل الدهليز كيلا يصلي عليها فرأى الميت بعضهم في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي وقال قل لأيوب قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وقال بعضهم رأيت في الليلة التي مات فيها داود الطائي نورا وملائكة نزولا وملائكة صعودا فقلت أي ليلة هذه فقالوا ليلة مات فيها داود الطائي وقد زخرفت الجنة لقدوم روحه وقال أبو سعيد الشحام رأيت سهلا الصعلوكي في المنام فقلت أيها الشيخ قال دع التشييخ قلت تلك الأحوال التي شاهدتها فقال لم تغن عنا فقلت ما فعل الله بك قال غفر لي بمسائل كان يسأل عنها العجز وقال أبو بكر الرشيدي رأيت محمدا الطوسي المعلم في النوم فقال لي قل لأبي سعيد الصفار المؤدب وكنا على أن لا نحول عن الهوى فقد وحياة الحب حلتم وما حلنا قال فانتبهت فذكرت ذلك له فقال كنت أزور قبره كل جمعة فلم أزره هذه الجمعة وقال ابن راشد رأيت ابن المبارك في النوم بعد موته فقلت أليس قد مت قال بلى قلت فما صنع الله بك قال غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب قلت فسفيان الثوري قال بخ بخ ذاك من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين الآية وقال الربيع بن سليمان رأيت الشافعي رحمة الله عليه بعد وفاته في المنام فقلت يا أبا عبد الله ما صنع الله بك قال أجلسني على كرسي من ذهب ونثر على اللؤلؤ الرطب ورأى رجل من أصحاب الحسن البصري ليلة مات الحسن كأن مناديا ينادي إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين واصطفى الحسن البصري على أهل زمانه وقال أبو يعقوب القاري الدقيقي رأيت في منامي رجلا آدم طوالا والناس يتبعونه فقلت من هذا قالوا أويس القرني فأتيته فقلت أوصني رحمك الله فكلح في وجهي فقلت مسترشدا فأرشدني أرشدك الله فأقبل على وقال اتبع رحمة ربك عند محبته واحذر نقمته عند معصيته ولا تقطع رجاءك منه في خلال ذلك ثم ولى وتركني وقال أبو بكر بن أبي مريم رأيت ورقاء بن بشر الحضرمي فقلت ما فعلت يا ورقاء قال البكاء من خشية الله وقال يزيد بن نعامة هلكت جارية في الطاعون الجارف فرآها أبوها في المنام فقال لها يا بنية أخبريني عن الآخرة قالت يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون والله لتسبيحه أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في فسحة عمل أحب إلى من الدنيا وما فيها وقال بعض أصحاب عتبة الغلام رأيت عتبة في المنام فقلت ما صنع الله بك قال دخلت الجنة بتلك الدعوة المكتوبة في بيتك قال فلما أصبحت جئت إلى بيتي فإذا خط عتبة الغلام في حائط البيت يا هادي المضلين ويا راحم المذنبين ويا مقيل عثرات العاثرين ارحم عبدك ذا الخطر العظيم والمسلمين كلهم أجمعين واجعلنا مع الأحياء المرزوقين الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين وقال موسى بن حماد رأيت سفيان الثوري في الجنة يطير من نخلة إلى نخلة ومن شجرة إلى شجرة فقلت يا أبا عبد الله بم نلت هذا فقال بالورع قلت فما بال على بن عاصم قال ذاك لا يكاد يرى إلا كما يرى الكوكب ورأى رجل من التابعين النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال يا رسول الله عظني قال نعم من لم يتفقد النقصان فهو في نقصان ومن كان في نقصان فالموت خير له وقال الشافعي رحمة الله عليه دهمني في هذه الأيام أمر أمضني وآلمني ولم يطلع عليه غير الله عز وجل فلما كان البارحة أتاني آت في منامي فقال لي يا محمد بن إدريس قل اللهم إني لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ولا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني ولا أتقي إلا ما وقيتني اللهم فوفقني لما تحب وترضى من القول والعمل في عافية فلما أصبحت أعدت ذلك فلما ترحل النهار أعطاني الله عز وجل طلبتي وسهل لي الخلاص مما كنت فيه فعليكم بهذه الدعوات لا تغفلوا عنها فهذه جملة من المكاشفات تدل على أحوال الموتى وعلى الأعمال المقربة إلى الله زلفى فلنذكر بعدها ما بين يدى الموتى من ابتداء نفخة الصور إلى آخر القرار إما فى الجنة أو فى النار والحمد لله حمد الشاكرين.
الشطر الثانى من كتاب ذكر الموت فى أحوال الميت
من وقت نفخة الصور إلى آخر الاستقرار فى الجنة أو فى النار
وتفصيل ما بين يديه من الأهوال والأخطار وفيه بيان نفخة الصور وصفة أرض المحشر وأهله وصفة طول يوم القيامة وصفة يوم القيامة ودواهيها وأساميها وصفة المساءلة عن الذنوب وصفة الميزان وصفة الخصماء ورد المظالم وصفة الصراط وصفة الشفاعة وصفة الحوض وصفة جهنم وأهوالها وأنكالها وحياتها وعقاربها وصفة الجنة وأصناف نعيمها وعدد الجنان وأبوابها وغرفها وحيطانها وأنهارها وأشجارها ولباس أهلها وفرشهم وسررهم وصفة طعامهم وصفة الحور العين والولدان وصفة النظر إلى وجه الله تعالى وباب فى سعة رحمه الله تعالى وبه ختم الكتاب إن شاء الله تعالى صفة نفخة الصور قد عرفت فيما سبق أحوال الميت فى سكرات الموت وخطره فى خوف العاقبة ثم مقاساته لظلمة القبر وديدانه ثم لمنكر ونكير وسؤالهما ثم لعذاب القبر وخطره إن كان مغضوبا عليه وأعظم من ذلك كله الأخطار التى بين يديه من نفخ الصور وبعث يوم النشور والعرض على الجبار والسؤال عن القليل والكثير ونصب الميزان لمعرفة المقادير ثم جواز الصراط مع دقته وحدته ثم انتظار النداء عند فصل القضاء إما بالإسعاد وإما بالإشقاء فهذه أحوال وأهوال لا بد لك من معرفتها ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ثم تطويل الفكر فى ذلك لينبعث من قلبك دواعى الاستعداد لها وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم قلوبهم ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم ويدل على ذلك شدة تشمرهم واستعدادهم لحر الصيف وبرد الشتاء وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها مع ما تكتنفه من المصاعب والأهوال بل إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ثم غفلت عنه قلوبهم ومن أخبر بأن ما بين يديه من الطعام مسموم فقال لصاحبه الذى أبصر صدقت ثم مد يديه لتناوله كان مصدقا بلسانه ومكذبا بعمله وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللسان وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى شتمنى ابن آدم وما ينبغى له أن يشتمنى وكذبنى وما ينبغى له أن يكذبنى أما شتمه إياى فيقول إن لى ولدا وأما تكذيبه فقوله لن يعيدنى كما بدأنى حديث قال الله تعالى شمتنى ابن آدم وما ينبغى له أن يشتمنى وكذبنى ما ينبغى له أن يكذبنى الحديث أخرجه البخارى من حديث أبى هريرة وإنما فتور البواطن عن قوة اليقين والتصديق بالبعث والنشور لقلة الفهم فى هذا العالم لأمثال تلك الأمور ولو لم يشاهد الانسان توالد الحيوانات وقيل له إن صانعا يصنع من النطفة القدرة مثل هذا الآدمى المصور العاقل المتكلم المتصرف لاشتد نفور باطنه عن التصديق به ولذلك قال الله تعالى أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وقال تعالى أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من منى يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ففى خلق الآدمى مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه أعاجيب تزيد على الأعاجيب فى بعثه وإعادته فكيف ينكر ذلك من قدرة الله تعالى وحكمته من يشاهد ذلك فى صنعته وقدرته فإن كان فى إيمانك ضعف فقو الإيمان بالنظر فى النشأة الأولى فإن الثانية مثلها وأسهل منها وإن كنت قوى الإيمان بها فأشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار وأكثر فيها التفكر والاعتبار لتسلب عن قلبك الراحة والقرار فتشتغل بالتشمر للعرض على الجبار وتفكر أولا فيما يقرع سمع سكان القبور من شدة نفخ الصور فإنها صيحة واحدة تنفرج بها القبور عن رءوس الموتى فيثورون دفعة واحدة فتوهم نفسك وقد وثبت متغيرا وجهك مغبرا بدنك من فرقك إلى قدمك من تراب قبرك مبهوتا من شدة الصعقة شاخص العين نحو النداء وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التى طال فيها بلاؤهم وقد أزعجهم الفزع والرعب مضافا إلى ما كان عندهم من الهموم والغموم وشدة الانتظار لعاقبة الأمر كما قال تعالى ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وقال تعالى فإذا نقر فى الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير وقال تعالى ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون فلو لم يكن بين يدي الموتى إلا هول تلك النفخة لكان ذلك جديرا بأن يتقى فإنها نفخة وصيحة يصعق بها من فى السموات والأرض يعنى يموتون بها إلا من شاء الله وهو بعض الملائكة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى الجبهة وأصغى بالأذن متى يؤمر فينفخ حديث كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى الجبهة الحديث أخرجه الترمذى من حديث أبى سعيد وقال حسن ورواه ابن ماجه بلفظ إن صاحبى القرن بأيديهما أو فى أيديهما قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران وفى رواية ابن ماجة الحجاج بن أرطاة مختلف فيه قال مقاتل الصور هو القرن وذلك أن إسرافيل عليه السلام واضع فاه على القرن كهيئة البوق ودائرة رأس القرن كعرض السموات والأرض وهو شاخص بصره نحو العرش ينتظر متى يؤمر فينفخ النفخة الأولى فإذا نفخ صعق من فى السموات والأرض أى مات كل حيوان من شدة الفزع إلا من شاء الله وهو جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يأمر ملك الموت أن يقبض روح جبريل ثم روح ميكائيل ثم روح إسرافيل ثم يأمر ملك الموت فيموت ثم يلبث الخلق بعد النفخة الأولى فى البرزخ أربعين سنة ثم يحيى الله تعالى إسرافيل فيأمره أن ينفخ الثانية فذلك قوله تعالى ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون على أرجلهم ينظرون إلى البعث وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى بعث إلى صاحب الصور فأهوى به إلى فيه وقدم رجلا وأخر أخرى ينتظر متى يؤمر بالنفخ ألا فاتقوا النفخة حديث حين بعث إلى بعث إلى صاحب الصور فأهوى به إلى فيه وقدم رجلا وأخر أخرى الحديث لم أجده هكذا بل قد ورد أن إسرافيل من حين ابتداء الخلق وهو كذلك كما رواه البخارى فى التاريخ وأبو الشيخ فى كتاب العظمة من حديث أبى هريرة إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر قال البخارى ولم يصح وفى رواية لأبى الشيخ ما طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان وإسنادها جيد فتفكر فى الخلائق وذلهم وانكسارهم واستكانتهم عند الانبعاث خوفا من هذه الصعقة وانتظارا لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم متحير كتحيرهم بل إن كنت فى الدنيا من المترفهين والأغنياء المتنعمين فملوك الأرض فى ذلك اليوم أذل أهل أرض الجمع وأصغرهم وأحقرهم يوطئون بالأقدام مثل الذرة وعند ذلك تقبل الوحوش من البرارى والجبال منكسة رءوسها مختلطة بالخلائق بعد توحشها ذليلة ليوم النشور من غير خطيئة تدنست بها ولكن حشرتهم شدة الصعقة وهول النفخة وشغلهم ذلك عن الهرب من الخلق والتوحش منهم وذلك قوله تعالى وإذا الوحوش حشرت ثم أقبلت الشياطين المردة بعد تمردها وعتوها وأذعنت خاشعة من هيبة العرض على الله تعالى تصديقا لقوله تعالى فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا فتفكر فى حالك وحال قلبك هنالك صفة أرض المحشر وأهله ثم انظر كيف يساقون بعد البعث والنشور حفاة عراة غرلا إلى أرض المحشر أرض بيضاء قاع صفصف لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ولا ترى عليها ربوة يختفى الإنسان وراءها ولا وهدة ينخفض عن الأعين فيها بل هو صعيد واحد بسيط لا تفاوت فيه يساقون إليه زمرا فسبحان من جمع الخلائق على اختلاف أصنافهم من أقطار الأرض إذ ساقهم بالراجفة تتبعها الرادفة والراجفة هى النفخة الأولى والرادفة هى النفخة الثانية وحقيق لتلك القلوب أن تكون يومئذ واجفة ولتلك الأبصار أن تكون خاشعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرص النقي ليس فيها معلم لأحد حديث يحشر الناس يوم القايمة على أرض بيضاء عفراء كقرص النقي ليس فيها معلم لأحد متفق عليه من حديث سهل ابن سعد وفصل البخارى قوله ليس فيها معلم لأحد فجعلها من قول سهل أو غيره وأدرجها مسلم فيه قال الراوى والعفرة بياض ليس بالناصع والنقى هو النقى عن القشر والنخالة ومعلم أى لا بناء يستر ولا تفاوت يرد البصر ولا تظنن أن تلك الأرض مثل أرض الدنيا بل لا تساويها إلا فى الاسم قال تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات قال ابن عباس يزداد فيها وينقص وتذهب أشجارها وجبالها وأوديتها وما فيها وتمد مد الأديم العكاظى أرض بيضاء مثل الفضة لم يسفك عليها دم ولم يعمل عليها خطيئة والسموات تذهب شمسها وقمرها ونجومها فانظر يا مسكين فى هول ذلك اليوم وشدته فإنه إذا اجتمع الخلائق على هذا الصعيد تناثرت من فوقهم نجوم السماء وطمس الشمس والقمر وأظلمت الأرض لخمود سراجها فبينا هم كذلك إذ دارت السماء من فوق رءوسهم وانشقت مع غلظها وشدتها خمسمائة عام والملائكة قيام على حافاتها وأرجائها فيا هول صوت انشقاقها فى سمعك ويا هيبة ليوم تنشق فيه السماء مع صلابتها وشدتها ثم تنهار وتسيل كالفضة المذابة تخالطها صفرة فصارت وردة كالدهان وصارت السماء كالمهل وصارت الجبال كالعهن واشتبك الناس كالفراش المبثوث وهم حفاة عراة مشاة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث الناس حفاة عراة غرلا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان قالت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم راوية الحديث قلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض فقال شغل الناس عن ذلك بهم لكل امرىء يومئذ شأن يغنيه حديث يبعث الناس حفاة عراة غرلا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان قالت سودة راوية الحديث واسوأتاه الحديث أخرجه الثعلبى والبغوى وهو فى الصحيحين من حديث عائشة وهى القائلة واسوأتاه ورواه الطبرانى فى الأوسط من حديث أم سلمة وهى القائلة واسوأتاه فأعظم بيوم تنكشف فيه العورات ويؤمن فيه مع ذلك النظر والالتفات كيف وبعضهم يمشون على بطونهم ووجوههم فلا قدرة لهم على الالتفات إلى غيرهم قال أبو هريرة رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ركبانا ومشاة وعلى وجوههم فقال رجل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم قال الذى أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم حديث أبى هريرة يحشر الناس يوم القيامة ركبانا ومشاة وعلى وجوههم الحديث رواه الترمذى وحسنة وفى الصحيحين من حديث أنس أن رجلا قال يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه قال أليس الذى أمشاه على الرجلين فى الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة فى طبع الآدمى إنكار كل ما لم يأنس به ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهى تمشى على بطنها كالبرق الخاطف لأنكر تصور المشى على غير رجل والمشى بالرجل أيضا مستبعد عند من لم يشاهد ذلك فإياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفته قياس ما فى الدنيا فإنك لو لم تكن قد شاهدت عجائب الدنيا ثم عرضت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارا لها فأحضر فى قلبك صورتك وأنت واقف عاريا مكشوفا ذليلا مدحورا متحيرا مبهوتا منتظرا لما يجرى عليك من القضاء بالسعادة أو بالشقاوة وأعظم هذه الحال فإنها عظيمة صفة العرق ثم تفكر فى ازدحام الخلائق واجتماعهم حتى ازدحم على الموقف أهل السموات السبع والأرضين السبع من ملك وجن وإنس وشيطان ووحش وسبع وطير فأشرقت عليهم الشمس وقد تضاعف حرها وتبدلت عما كانت عليه من خفة أمرها ثم أدنيت من رءوس العالمين كقاب قوسين فلم يبق على الأرض ظل إلا ظل رب العالمين ولم يمكن من الاستظلال به إلا المقربون فمن بين مستظل بالعرش وبين مضح لحر الشمس قد صهرته بحرها واشتد كربه وغمه من وهجها ثم تدافعت الخلائق ودفع بعضهم بعضا لشدة الزحام واختلاف الأقدام وانضاف إليه شدة الخجلة والحياء من الافتضاح والاختزاء عند العرض على جبار السماء فاجتمع وهج الشمس وحر الأنفاس واحتراق القلوب بنار الحياء والخوف ففاض العرق من أصل كل شعرة حتى سال على صعيد القيامة ثم ارتفع على أبدانهم على قدر منازلهم عند الله فبعضهم بلغ العرق ركبتيه وبعضهم حقوية وبعضهم إلى شحمة أذنيه وبعضهم كاد يغيب فيه قال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم فى رشحه إلى أنصاف أذنيه حديث ابن عمر يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم فى رشحه إلى أنصاف أذنيه متفق عليه وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم فى الأرض سبعين باعا ويلجمهم ويبلغ أذقنهم حديث أبى هريرة يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم فى الأرض سبعين ذراعا الحديث أخرجاه فى الصحيحين كما ذكره المصنف كذا رواه البخارى ومسلم فى الصحيح وفى حديث آخر قياما شاخصة أبصارهم أربعين سنة إلى السماء فيلجمهم العرق من شدة الكرب حديث قياما شاخصة أبصارهم أربعين سنة إلى السماء يلجمهم العرق من شدة الكرب أخرجه ابن عدي من حديث ابن مسعود وفيه أبو طيبة عيسى بن سليمان الجرجاني ضعفه ابن معين وقال ابن عدي لا أظن أنه كان يتعمد الكذب لكن لعله تشبه عليه وقال عقبة بن عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه عقبه ومنهم من يبلغ نصف ساقه ومنهم من يبلغ ركبته ومنهم من يبلغ فخذه ومنهم من يبلغ خاصرته ومنهم من يبلغ فاه وأشار بيده فألجمها فاه ومنهم من يغطيه العرق وضرب بيده على رأسه هكذا حديث عقبة بن عامر تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس فمنهم من يبلغ عرقه عقبه الحديث رواه أحمد وفيه ابن لهيعة فتأمل يا مسكين فى عرق أهل المحشر وشدة كربهم وفيهم من ينادى فيقول رب أرحنى من هذا الكرب والانتظار ولو إلى النار وكل ذلك ولم يلقوا بعد حسابا ولا عقابا فإنك واحد منهم ولا تدرى إلى أين يبلغ بك العرق واعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب فى سبيل الله من حج وجهاد وصيام وقيام وتردد فى قضاء حاجة مسلم وتحمل مشقة فى أمر بمعروف ونهى عن منكر فسيخرجه الحياء والخوف فى صعيد القيامة ويطول فيه الكرب ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور لعلم أن تعب العرق فى تحمل مصاعب الطاعات أهون أمرا وأقصر زمانا من عرق الكرب والانتظار فى القيامة فإنه يوم عظيمة شدته طويلة مدته صفة طول يوم القيامة يوم تقف فيه الخلائق شاخصة أبصارهم منفطرة قلوبهم لا يكلمون ولا ينظر فى أمورهم يقفون ثلمائة عام لا يأكلون فيه أكله ولا يشربون فيه شربة ولا يجدون فيه روح نسيم قال كعب وقتادة يوم يقوم الناس لرب العلمين قال يقومون مقدار ثلثمائة عام بل قال عبد الله بن عمرو تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ثم قال كيف بكم إنه جمعكم الله كما تجمع النبل فى الكنانة خمسين ألف سنة ولا ينظر إليكم حديث ابن عمر تلا هذه الآية يوم يقوم الناس لرب العالمين ثم قال كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل فى الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم قلت إنما هو عبد الله بن عمر ورواه الطبرانى فى الكبير وفيه عبد الرحمن بن ميسرة ولم يذكر له ابن أبى حاتم راويا غير ابن وهب ولهم غير عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمى أربعة هذا أحدهم مصرى والثلاثة الآخرون شاميون وقال الحسن ما ظنك بيوم قاموا فيه على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لا يأكلون فيها أكلة ولا يشربون فيها شربة حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشا واحترقت أجوافهم جوعا انصرف بهم إلى النار فسقوا من عين آنية قد آن حرها واشتد لفحها فلما بلغ المجهود منهم ما لا طاقة لهم به كلم بعضهم بعضا فى طلب من يكرم على مولاه ليشفع فى حقهم فلم يتعلقوا بنبي إلا دفعهم وقال دعونى نفسى نفسى شغلنى أمرى عن أمر غيرى واعتذر كل واحد بشدة غضب الله تعالى وقال قد غضب اليوم ربنا غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله حتى يشفع نبينا صلى الله عليه وسلم لمن يؤذن له فيه لا يملكون الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا فتأمل فى طول هذا اليوم وشدة الانتظار فيه حتى يخف عليك انتظار الصبر عن المعاصى فى عمرك المختصر واعلم أن من طال انتظاره فى الدنيا للموت لشدة مقاساته للصبر عن الشهوات فإنه يقصر انتظاره فى ذلك اليوم خاصة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن طول ذلك اليوم فقال والذى نفسى بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها فى الدنيا حديث سئل عن طول ذلك اليوم فقال والذى نفسى بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها فى الدنيا أخرجه أبويعلى والبيهقى فى الشعب من حديث أبى سعيد الخدرى وفيه ابن لهيعة وقد رواه ابن وهب عنعمرو بن الحارث بدل ابن لهيعة وهو حسن ولأبى يعلى من حديث أبى هريرة بإسناد جيد يهون ذلك على المؤمن كتدلى الشمس للغروب إلى أن تغرب ورواه البيهقى فى الشعب إلى أن قال أظنه رفعه بلفظ إن الله ليخفف على من يشاء من عباده طوله كوقت صلاة مفروضة فاجتهد أن تكون من أولئك المؤمنين فما دام يبقى لك نفس من عمرك فالأمر إليك والاستعداد بيديك فاعمل فى أيام قصار لأيام طوال تربح ربحا لا منتهى لسروره واستحقر عمرك بل عمر الدنيا وهو سبعة الآف سنة فإنك لو صبرت سبعة الآف سنة مثلا لتخلص من يوم مقداره خمسون ألفا لكان ربحك كثيرا وتعبك يسيرا صفة يوم القيامة ودواهيه وأساميه فاستعد يا مسكين لهذا اليوم العظيم شأنه المديد زمانه القاهر سلطانه القريب أوانه يوم ترى السماء فيه قد انفطرت والكواكب من هوله قد انتثرت والنجوم الزواهر قد انكدرت والشمس قد كورت والجبال قد سيرت والعشار قد عطلت والوحوش قد حشرت والبحار قد سجرت والنفوس إلى الأبدان قد زوجت والجحيم قد سعرت والجنة قد أزلفت والجبال قد نسفت والأرض قد مدت يوم ترى الأرض قد زلزلت فيه زالزالها وأخرجت الأرض أثقالها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم يوم تحمل الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهى يومئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية يوم تسير الجبال وترى الأرض بارزة يوم ترج الأرض فيه رجا وتبس الجبال بسا فكانت هباء منبثا يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار يوم تنسف فيه الجبال نسفا فتترك قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يوم ترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب يوم تنشق فيه السماء فتكون وردة كالدهان فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان يوم يمنع فيه العاصى من الكلام ولا يسئل فيه عن الأجرام بل يؤخذ بالنواصى والأقدام يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا يوم تعلم فيه كل نفس ما أحضرت وتشهد ما قدمت وأخرت يوم تخرس فيه الألسن وتنطق الجوارح يوم شيب ذكره سيد المرسلين إذ قال له الصديق رضى الله عنه أراك قد شبت يا رسول الله قال شيبتنى هود وأخواتها حديث شيبتنى هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت أخرجه الترمذى وحسنه والحاكم وصححه وقد تقدم وهى الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت فيا أيها القارىء العاجز إنما حظك من قراءتك أن تمجمج القرآن وتحرك به اللسان ولو كنت متفكرا فيما تقرؤه لكنت جديرا بأن تنشق مرارتك مما شاب منه شعر سيد المرسلين وإذا قنعت بحركة اللسان فقد حرمت ثمرة القرآن فالقيامة أحد ما ذكر فيه وقد وصف الله بعض دواهيها وأكثر من أساميها لنقف بكثرة أساميها على كثرة معانيها فليس المقصود بكثرة الأسامى تكرير الأسامى والألقاب بل الغرض تنبيه أولى الألباب فتحت كل اسم من أسماء القيامة سر وفى كل نعت من نعوتها معنى فاحرص على معرفة معانيها ونحن الآن نجمع لك أساميها وهى يوم القيامة ويوم الحسرة ويوم الندامة ويوم المحاسبة ويوم المساءلة ويوم المسابقة ويوم المناقشة ويوم المنافسة ويوم الزلزلة ويوم الدمدمة ويوم الصاعقة ويوم الواقعة ويوم القارعة ويوم الراجفة ويوم الرادفة ويوم الغاشية ويوم الداهية ويوم الآزفة ويوم الحاقة ويوم الطامة ويوم الصاخة ويوم التلاق ويوم الفراق ويوم المساق ويوم القصاص ويوم التناد ويوم الحساب ويوم المآب ويوم العذاب ويوم الفرار ويوم القرار ويوم اللقاء ويوم البقاء ويوم القضاء ويوم الجزاء ويوم البلاء ويوم البكاء ويوم الحشر ويوم الوعيد ويوم العرض ويوم الوزن ويوم الحق ويوم الحكم ويوم الفصل ويوم الجمع ويوم البعث ويوم الفتح ويوم الخزى ويوم عظيم ويوم عقيم ويوم عسير ويوم الدين ويوم اليقين ويوم النشور ويوم المصير ويوم النفخة ويوم الصيحة ويوم الرجفة ويوم الرجة ويوم الزجرة ويوم السكرة ويوم الفزع ويوم المنتهى ويوم الجزع ويوم المأوى ويوم الميقات ويوم الميعاذ ويوم المرصاد ويوم القلق ويوم العرق ويوم الافتقار ويوم الانكار ويوم الانتشار ويوم الانشقاق ويوم الوقوف ويوم الخروج ويوم الخلود ويوم التغابن ويوم عبوس ويوم معلوم ويوم الساعة ويوم مشهود ويوم لا ريب فيه ويوم تبلى فيه السرائر ويوم لا تجزى نفس عن نفس شيئا ويوم تشخص فيه الأبصار ويوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ويوم لا تملك نفس لنفس شيئا ويوم يدعون إلى نار جهنم دعا ويوم يسحبون فى النار على وجوههم ويوم تقلب وجوههم فى النار ويوم لا يجزى والد عن ولده ويوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ويوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون يوم لا مرد له من الله يوم هم بارزون ويوم هم على النار يفتنون يوم لا ينفع مال ولا بنون يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم ترد فيه المعاذير وتبلى السرائر وتظهر الضمائر وتكشف الأستار يوم تخشع فيه الأبصار وتسكن الأصوات ويقل فيه الالتفات وتبرز الخفيات وتظهر الخطيئات يوم يساق العباد ومعهم الأشهاد ويشيب الصغير ويسكر الكبير فيومئذ وضعت الموازين ونشرت الدواوين وبرزت الجحيم وأغلى الحميم وزفرت النار ويئس الكفار وسعرت النيران وتغيرت الألوان وخرس اللسان ونطقت جوارح الإنسان فيا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم حيث أغلقت الأبواب وأرخيت الستور واستترت عن الخلائق فقارفت الفجور فماذا تفعل وقد شهدت عليك جوارحك فالويل كل الويل لنا معشر الغافلين يرسل الله لنا سيد المرسلين وينزل عليه الكتاب المبين ويخبرنا بهذه الصفات من نعوت يوم الدين ثم يعرفنا غفلتنا ويقول اقترب الناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم ثم يعرفنا قرب القيامة فيقول اقتربت الساعة وانشق القمر إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ثم يكون أحسن أحوالنا أن نتخذ دراسة هذا القرآن عملا فلا نتدبر معانيه ولا ننظر فى كثرة أوصاف هذا اليوم وأساميه ولا نستعد للتخلص من دواهيه فنعوذ بالله من هذه الغفلة إن لم يداركنا الله بواسع رحمته صفة المساءلة ثم تفكر يا مسكين بعد هذه الأحوال فيما يتوجه عليك من السؤال شفاها من غير ترجمان فتسئل عن القليل والكثير والنقير والقطمير فبينا أنت فى كرب القيامة وعرقها وشدة عظائمها إذ نزلت ملائكة من رجاء السماء بأجسام عظام وأشخاص ضخام غلاظ شداد أمروا أن يأخذوا بنواصى المجرمين إلى موقف العرض على الجبار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله عز وجل ملكا ما بين شفرى عينيه مسيرة مائة عام حديث إن لله عز وجل ملكا ما بين شفرى عينيه مسيرة مائة عام لم أره بهذا اللفظ فما ظنك بنفسك إذا شاهدت مثلا هؤلاء الملائكة أرسلوا إليك ليأخذوك إلى مقام العرض وتراهم على عظم أشخاصهم منكسرين لشدة اليوم مستشعرين مما بدا من غضب الجبار على عباده وعند نزولهم لا يبقى نبى ولا صديق ولا صالح إلا ويخرون لأذقانهم خوفا من أن يكونوا هم المأخوذين فهذا حال المقربين فما ظنك بالعصاة المجرمين وعند ذلك يبادر اقوام من شدة الفزع فيقولون للملائكة أفيكم ربنا وذلك لعظم موكبهم وشدة هيبتهم فتفزع الملائكة من سؤالهم إجلالا لخالقهم عن أن يكون فيهم فنادوا بأصواتهم منزهين لمليكهم عما توهمه أهل الأرض وقالوا سبحان ربنا ما هو فينا ولكنه آت من بعد وعند ذلك تقوم الملائكة صفا محدقين بالخلائق من الجوانب وعلى جميعهم شعار الذل والخضوع وهيئة الخوف والمهابة لشدة اليوم وعند ذلك يصدق الله تعالى قوله فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين وقوله فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون فيبدأ سبحانه بالأنبياء يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب فيا لشدة يوم تذهل فيه عقول الأنبياء وتنمحى علومهم من شدة الهيبة إذ يقال لهم ما أجبتم وقد أرسلتم إلى الخلائق وكانوا قد علموا فتدهش عقولهم فلا يدرون بماذا يجيبون فيقولون من شدة الهيبة لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب وهم فى ذلك الوقت صادقون إذ طارت منهم العقول وانمحت العلوم إلى أن يقويهم الله تعالى فيدعى نوح عليه السلام فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير ويؤتى بعيسى عليه السلام فيقول الله تعالى له أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله فيبقى متشحطا تحت هيبة هذا السؤال سنين فيالعظم يوم تقام فيه السياسة على الأنبياء بمثل هذا السؤال ثم تقبل الملائكة فينادون واحدا واحدا يا فلان بن فلانة هلم إلى موقف العرض وعند ذلك ترتعد الفرائص وتضطرب الجوارح وتبهت العقول ويتمنى أقوام أن يذهب بهم إلى النار ولا تعرض قبائح أعمالهم على الجبار ولا يكشف سترهم على ملأ الخلائق وقبل الابتداء بالسؤال يظهر نور العرش وأشرقت الأرض بنور ربها وايقن كل عبد بإقبال الجبار لمساءلة العباد وظن كل واحد أنه ما يراه أحد سواه وأنه المأخوذ بالأخذ والسؤال دون من عداه فيقول الجبار سبحانه وتعالى عند ذلك يا جبريل ائتى بالنار فيجىء لها جبريل ويقول يا جهنم أجيبي خالقك ومليكك فيصادفها جبريل على غيظها وغضبها فلم يلبث بعد ندائها أن ثارت وفارت وزفرت إلى الخلائق وشهقت وسمع الخلائق تغيظها وزفيرها وانتهضت خزنتها متوثبة إلى الخلائق غضبا على من عصى الله تعالى وخالف أمره فأخطر ببالك وأحضر فى قلبك حالة قلوب العباد وقد امتلأت فزعا ورعبا فتساقطوا جثيا على الركب وولوا مدبرين يوم ترى كل أمة جاثية وسقط بعضهم على الوجوه منكبين وينادى العصاة والظالمون بالويل والثبور وينادى الصديقون نفسى نفسى فبينما هم كذلك إذ زفرت الناس زفرتها الثانية فتضاعف خوفهم وتخاذلت قواهم وظنوا أنهم مأخوذون ثم زفرت الثالثة فتساقط الخلائق على وجوههم وشخصوا بأبصارهم ينظرون من طرف خفى خاشع وانهضمت عند ذلك قلوب الظالمين فبلغت الحناجر كاظمين وذهلت العقول من السعداء والأشقياء أجمعين وبعد ذلك اقبل الله تعالى على الرسل وقال ماذا أجبتم فإذا رأوا ما قد أقيم من السياسة على الأنبياء اشتد الفزع على العصاة ففر الوالد من ولده والأخ من أخيه والزوج من زوجته وبقى كل واحد منتظرا لأمره ثم يؤخذ واحد واحد فيسأله الله تعالىشفاها عن قليل عمله وكثيره وعن سره وعلانيته وعن جميع جوارحه وأعضائه قال أبو هريرة قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون فى رؤية الشمس فى الظهيرة ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا قال فوالذى نفسى بيده لا تضارون فى رؤية ربكم فيلقى العبد فيقول له ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول العبد بلى فيقول أظننت أنك ملاقى فيقول لا فيقول فأنا أنساك كما نسيتنى حديث أبى هريرة هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل تضارون فى رؤية الشمس فى الظهيرة ليس دونها سحاب الحديث متفق عليه دون قوله فيلقى العبد الخ فانفرد بها مسلم فتوهم نفسك يا مسكين وقد أخذت الملائكة بعضديك وأنت واقف بين يدى الله تعالى يسألك شفاها فيقول لك ألم أنعم عليك بالشباب ففيماذا أبليته ألم أمهل لك فى العمر ففيماذا أفنيته الم أرزقك المال فمن أين اكتسبته وفيماذا أنفقته ألم أكرمك بالعلم فماذا عملت فيما علمت فكيف ترى حياءك وخجلتك وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك وأياديه ومساويك فإن أنكرت شهدت عليك جوارحك قال أنس رضى الله عنه كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ثم قال أتدرون مم أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب الم تجرنى من الظلم قال يقول بلى قال فيقول فإنى لا أجيز على نفسى إلا شاهدا منى فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقى قال فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول لأعضائه بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل حديث أنس أتدرون مم أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه الحديث رواه مسلم فنعوذ بالله من الافتضاح على ملأ الخلق بشهادة الأعضاء إلا أن الله تعالى وعد المؤمن بأن يستر عليه ولا يطلع عليه غيره سأل ابن عمر رجل فقال له كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى النجوى فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم فيقول عملت كذا وكذا فيقول نعم ثم يقول إنى سترتها عليك فى الدنيا وإنى أغفرها لك اليوم حديث سأل ابن عمر رجل فقال كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى النجوى الحديث رواه مسلم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة حديث من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة تقدم فهذا إنما يرجى لعبد مؤمن ستر على الناس عيوبهم واحتمل فى حق نفسه تقصيرهم ولم يحرك لسانه بذكر مساويهم ولم يذكرهم فى غيبتهم بما يكرهون لو سمعوه فهذا جدير بأن يجازى بمثله فى القيامة وهب أنه قد ستره عن غيرك أليس قد قرع سمعك النداء إلى العرض فيكفيك تلك الروعة جزاء عن ذنوبك إذ يؤخذ بناصيتك فتقاد وفؤادك مضطرب ولبك طائر وفرائصك مرتعدة وجوارحك مضطربة ولونك متغير والعالم عليك من شدة الهول مظلم فقدر نفسك وأنت بهذه الصفة تتخطى الرقاب وتخرق الصفوف وتقاد كما تقاد الفرس المجنوب وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم فتوهم نفسك أنك فى أيدى الموكلين بك على هذه الصفة حتى انتهى بك إلى عرش الرحمن فرموك من أيديهم وناداك الله سبحانه وتعالى بعظيم كلامه يا ابن آدم ادن منى فدنوت منه بقلب خافق محزون وجل وطرف خاشع ذليل وفؤاد منكسر وأعطيت كتابك الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فكم من فاحشة نسيتها فتذكرتها وكم من طاعة غفلت عن آفاتها فانكشف لك عن مساويها فكم لك من خجل وجبن وكم لك من حصر وعجز فليت شعرى بأى قدم تقف بين يديه وبأى لسان تجيب وبأى قلب تعقل ما تقول ثم تفكر فى عظم حياتك إذا ذكرك ذنوبك شفاها إذ يقول يا عبدى أما استحييت منى فبارزتنى بالقبيح واستحييت من خلقى فأظهرت لهم الجميل أكنت أهون عليك من سائر عبادي استخففت بنظرى إليك فلم تكترت واستعظمت نظر غيرى ألم أنعم عليك فماذا غرك بى اظننت أنى لا أراك وأنك لا تلقانى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا ويسأله الله رب العالمين ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان حديث ما منكم من أحد إلا ويسأله رب العالمين الحديث متفق عليه من حديث ابن عدي عن أبى حاتم بلفظ إلا سيكلمه الحديث وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقفن أحدكم بين يدي الله عز وجل ليس بينه وبينه حجاب فيقول له ألم أنعم عليك ألم أوتك ما لا فيقول بلى فيقول ألم أرسل إليك رسولا فيقول بلى ثم ينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة حديث ليقفن أحدكم بين يدي الله تعالى ليس بينه وبينه ترجمان الحديث أخرجه البخارى من حديث عدي بن حاتم وقاله ابن مسعود ما منكم من أحد إلا سيخلو الله عز وجل به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر ثم يقول يا ابن آدم ما غرك بى يا ابن آدم ما عملت فيما علمت يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين يا ابن آدم ألم أكن رقيبا على عينك وأنت تنظر بها إلى ما لا يحل لك ألم أكن رقيبا على أذنيك وهكذا حتى عد سائر أعضائه وقال مجاهد لا تزول قدما عبد يوم القيامة من بين يدي الله عز وجل حتى يسأله عن أربع خصال عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل فيه وعن جسده فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيماذا أنفقه فأعظم يا مسكين بحيائك عند ذلك بخطرك فإنك بين أن يقال لك سترتها عليك فى الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فعند ذلك يعظم سرورك وفرحك ويغبطك الأولون والآخرون وإما أن يقال للملائكة خذوا هذا العبد السوء فغلوه ثم الجحيم صلوه وعند ذلك لو بكت السموات والأرض عليك لكان ذلك جديرا بعظم مصيبتك وشدة حسرتك على ما فرطت فيه من طاعة الله وعلى ما بعت آخرتك من دنيا دنيئة لم تبق معك صفة الميزان ثم لا تغفل عن الفكر فى الميزان وتطاير الكتب إلى الأيمان والشمائل فإن الناس بعد السؤال ثلاث فرق فرقة ليس لهم حسنة فيخرج من النار عنق أسود فيلقطهم لقط الطير الحب وينطوى عليهم ويلقيهم فى النار فتبتلعهم النار وينادى عليهم شقاوة لا سعادة بعدها وقسم آخر لا سيئة لهم فينادى مناد ليقم الحمادون لله على كل حال فيقومون ويسرحون إلى الجنة ثم يفعل ذلك بأهل قيام الليل ثم بمن لم تشغله تجارة الدنيا ولا بيعها عن ذكر الله تعالى وينادى عليهم سعادة لا شقاوة بعدها ويبقى قسم ثالث وهم الأكثرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وقد يخفى عليهم ولا يخفى على الله تعالى ان الغالب حسناتهم أو سيئاتهم ولكن يأبى الله إلا أن يعرفهم ذلك ليبين فضله عند العفو وعدله عند العقاب فتتطاير الصحف والكتب منطوية على الحسنات والسيئات وينصب الميزان وتشخص الأبصار إلى الكتب أتقع فى اليمين أو فى الشمال ثم إلى لسان الميزان أيميل إلى جانب السيئات أو إلى جانب الحسنات وهذه حالة هائلة تطيش فيها عقول الخلائق وروى الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رأسه فى حجر عائشة رضي الله عنها فنعس فذكرت الآخرة فبكت حتى سال دمعها فنقط على خد رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتبه فقال ما يبكيك يا عائشة قالت ذكرت الآخرة هل تذكرون أهليكم يوم القيامة قال والذى نفسى بيده فى ثلاث مواطن فإن أحدا لا يذكر إلا نفسه إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن آدم أيخف ميزانه أم يثقل وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ كتابه أو شماله وعند الصراط حديث الحسن أن عائشة ذكرت الآخرة فبكت الحديث وفيه فقال ما يبكيك يا عائشة قالت ذكرت الآخرة هل تذكرون أهليكم يوم القيامة الحديث أخرجه أبو داود من رواية الحسن أنها ذكرت النار فبكت فقال ما يبكيك دون كون رأسه صلى الله عليه وسلم فى حجرها وأنه نعس وإسناده جيد وعن أنس يؤتى بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين كفتى الميزان ويوكل به ملك فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف ميزانه نادى بصوت يسمع الخلائق شقى فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا وعند خفه كفةالحسنات تقبل الزبانية وبأيديهم مقامع من حديد عليهم ثياب من نار فيأخذون نصيب النار إلى النار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى يوم القيامة إنه يوم ينادى الله تعالى فيه آدم عليه السلام فيقول له قم يا آدم فابعث بعث النار فيقول وكم بعث النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فلما سمع الصحابة ذلك أبلسوا حتى ما أوضحوا بضاحكة فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عند أصحابه قال اعملوا وأبشروا فوالذى نفس محمد بيده إن معكم لخليقتين ما كانتا مع أحد قط إلا كثرتاه مع من هلك من بنى آدم وبنى إبليس قالوا وما هما يا رسول الله قال يأجوج ومأجوج قال فسرى عن القوم فقال اعملوا وأبشروا فوالذى نفس محمد بيده ما أنتم فى الناس يوم القيامة إلا كالشامة فى جنب البعير أو كالرقمة فى ذراع الدابة حديث يقول الله يا آدم قم فابعث بعث النار فيقول وكم بعث النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون الحديث متفق عليه من حديث أبى سعيد الخدرى ورواه البخارى من حديث أبي هريرة نحوه وقد تقدم صفة الخصماء ورد المظالم قد عرفت هول الميزان وخطره وأن الأعين شاخصة إلى لسان الميزان فأما من ثقلت موازينه فهو فى عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ماهيه نار حامية واعلم أنه لا ينجو من خطر الميزان إلا من حاسب فى الدنيا نفسه ووزن فيها بميزان الشرع أعماله وأقواله وخطراته ولحظاته كما قال عمر رضى الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحا ويتدارك ما فرط من تقصيره فى فرائض الله تعالى ويرد المظالم حبة بعد حبة ويستحل كل من تعرض له بلسانه ويده وسوء ظنه بقلبه وبطيب قلوبهم حتى يموت ولم يبق عليه مظلمة ولا فريضة فهذا يدخل الجنة بغير حساب وإن مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه فهذا يأخذ بيده وهذا يقبض على ناصيته وهذا يتعلق بلببه هذا يقول ظلمتنى وهذا يقول شتمتنى وهذا يقول استهزأت بى وهذا يقول ذكرتنى فى الغيبة بما يسوءنى وهذا يقول جاورتنى فأسأت جوارى وهذا يقول عاملتنى فغششتنى وهذا يقول بايعتنى فغبنتنى وأخفيت عنى عيب سلعتك وهذا يقول كذبت فى سعر متاعك وهذا يقول رأيتنى محتاجا وكنت غنيا فما أطعمتنى وهذا يقول وجدتنى مظلوما وكنت قادرا على دفع الظلم عنى فداهنت الظالم وما راعيتنى فبينا أنت كذلك وقد انشب الخصماء فيك مخالبهم وأحكموا فى تلابيبك أيديهم وأنت مبهوت متحير من كثرتهم حتى لم يبق فى عمرك أحد عاملته على درهم أو جالسته فى مجلس إلا وقد استحق عليك مظلمة بغيبة أو خيانة أو نظر بعين استحقار وقد ضعفت عن مقاومتهم ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك لعله يخلصك من أيديهم إذ قرع سمعك نداء الجبار جل جلاله اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم فعند ذلك ينخلع قلبك من الهيبة وتوقن نفسك بالبوار وتتذكر ما أنذرك الله تعالى على لسان رسوله حيث قال ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعى رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء وأنذر الناس الآية فما أشد فرحك اليوم بتمضمضك باعراض الناس ويناولك أموالهم وما أشد حسراتك فى ذلك اليوم إذا وقف ربك على بساط العدل وشوفهت بخطاب السياسة وأنت مفلس فقير عاجز مهين لا تقدر على أن ترد حقا أو تظهر عذرا فعند ذلك تؤخذ حسناتك التى تعبت فيها عمرك وتنقل إلى خصمائك عوضا عن حقوقهم قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون من المفلس قلنا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا دينار ولا متاع قال المفلس من أمتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتى وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح فى النار حديث ابي هريرة هل تدرون من المفلس قالوا المفلس يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع الحديث تقدم فانظر إلى مصيبتك فى مثل هذا اليوم إذ ليس يسلم لك حسنة من آفات الرياء ومكايد الشيطان فإن سلمت حسنة واحدة فى كل مدة طويلة ابتدرها خصماؤك وأخذوها ولعلك لو حاسبت نفسك وأنت مواظب على صيام النهار وقيام الليل لعلمت أنه لا ينقضى عنك يوم إلا ويجرى على لسانك من غيبة المسلمين ما يستوفى جميع حسناتك فكيف ببقية السيئات من أكل الحرام والشبهات والتقصير فى الطاعات وكيف ترجو الخلاص من المظالم في يوم يقتص فيه للجماء من القرناء فقد روى أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين ينتطحان فقال يا أبا ذر أتدرى فيم ينتطحان قلت لا قال ولكن الله يدرى وسيقضى بينهما يوم القيامة حديث يا أبا ذر أتدرى فيم ينتطحان قلت لا قال ولكن ربك يدرى وسيقضى بينهما أخرجه احمد من رواية أشياخ لم يسموا عن أبى ذر وقال أبو هريرة فى قوله عز وجل وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم أنه يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شىء فيبلغ من عدل الله تعالى أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول كونى ترابا فذلك حين يقول الكافر يا ليتنى كنت ترابا فكنت أنت يا مسكين فى يوم ترى صحيفتك خالية عن حسنات طال فيها تعبك فتقول أين حسناتى فيقال نقلت إلى صحيفة خصمائك وترى صحيفتك مشحونة بسيئات طال فى الصبر عنها نصبك واشتد بسبب الكف عنها عناؤك فتقول يا رب هذه سيئات ما قارفتها قط فيقال هذه سيئات القوم الذين اغتبتهم وشتمتهم وقصدتهم بالسوء وظلمتهم فى المبايعة والمجاورة والمخاطبة والمناظرة والمذاكرة والمدارسة وسائر أصناف المعاملة قال ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ولكن سيرضى منكم بما هو دون ذلك بالمحقرات وهى الموبقات فاتقوا الظلم ما استطعتم فإن العبد ليجىء يوم القيامة بأمثال الجبال من الطاعات فيرى أنهن سينجينه فما يزال عبد يجىء فيقول رب إن فلانا ظلمنى بمظلمة فيقول امح من حسناته فما يزال كذلك حتى لا يبقى من حسناته شىء وإن مثل ذلك مثل سفر نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حطب فتفرق القوم فحطبوا فلم يلبثوا أن أعظموا نارهم وصنعوا ما أرادوا حديث ابن مسعود إن الشيطان قد أيس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ولكن سيرضى منكم بما دون ذلك المحقرات وهى الموبقات الحديث وفى آخره وإن مثل ذلك مثل سفر نزلوا بفلاة الحديث رواه أحمد والبيهقى فى الشعب مقتصرا على آخره إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلا الحديث واسناده جيد فأما أول الحديث فرواه مسلم مختصرا من حديث جابر إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون فى جزيرة العرب ولكن فى التحريش بينهم وكذلك الذنوب ولما نزل قوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قال الزبير يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا فى الدنيا مع خواص الذنوب قال نعم ليكررن عليكم حتى تؤدوا إلى كل ذى حق حقه حديث لما نزل قوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قال الزبير يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا الحديث أخرجه أحمد واللفظ له والترمذى من حديث الزبير وقال حسن صحيح قال الزبير والله إن الأمر لشديد فأعظم بشدة يوم لا يسامح فيه بخطوة ولا يتجاوز فيه عن لطمة ولا عن كلمة حتى ينتقم للمظلوم من الظالم قال أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يحشر الله العباد عراة غبرا بهما قال قلنا ما بهما قال ليس معهم شىء ثم يناديهم ربهم تعالى بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ينبغى لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عليه مظلمة حتى أقتصه منه ولا لأحد من أهل النار أن يدخل النار ولأحد من أهل الجنة عنده مظلمة حتى أقتصه منه حتى اللطمة قلنا وكيف وإنما نأتي الله عز وجل عراة غبرا بهما فقال بالحسنات والسيئات حديث أنس يحشر العباد عراة غبرا بهما قلنا ما بهما قال ليس معهم شىء الحديث قلت ليس من حديث أنس وإنما هو عبيد الله بن أنيس رواه أحمد بإسناد حسن وقال غرلا مكان غبرا فاتقوا الله عباد الله ومظالم العباد بأخذ أموالهم والتعرض لأعراضهم وتضييق قلوبهم وإساءة الخلق فى معاشرتهم فإن ما بين العبد وبين الله خاصة فالمغفرة إليه أسرع ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب عنها وعسر عليه استحلال أرباب المظالم فليكثر من حسناته ليوم القصاص ويسر ببعض الحسنات بينه وبين الله بكمال الإخلاص بحيث لا يطلع عليه إلا الله فعساه يقربه ذلك إلى الله تعالى فينال به لطفه الذى ادخره لأحبابه المؤمنين فى دفع مظالم العباد عنهم كما روى عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه يضحك حتى بدت ثناياه فقال عمرا ما يضحكك يا رسول الله بأبى أنت وأمى قال رجلان من أمتى جثيا بين يدى رب العزة فقال أحدهما يا رب خذلى مظلمتى من أخى فقال الله تعالى أعط أخاك مظلمته قال يا رب لم يبق من حسناته شىء فقال الله تعالى للطالب كيف تصنع ولم يبق من حسناته شىء قال يا رب يتحمل عنى من أوزارى قال وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم قال فقال الله للطالب ارفع رأسك فانظر فى الجنان فرفع رأسه فقال يا رب أرى مدائن من فضة مرتفعة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأى نبى هذا أو لأى صديق هذا أو لأى شهيد هذا قال لمن أعطانى الثمن قال يا رب ومن يملك ثمنه قال أنت تملكه قال وما هو قال عفوك عن أخيك قال يا رب إنى قد عفوت عنه قال الله تعالى خذ بيد أخيك فأدخله الجنة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين حديث أنس بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر ما أضحكك يا رسول الله بأبى أنت وأمى قال رجلان من أمتى جثيا بين يدى رب العالمين الحديث بطوله أخرجه ابن أبى الدنيا فى حسن الظن بالله والحاكم فى المستدرك وقد تقدم وهذا تنبيه على أن ذلك إنما ينال بالتخلق بأخلاق الله وهو إصلاح ذات البين وسائر الأخلاق فتفكر الآن فى نفسك إن خلت صحيفتك عن المظالم أو تلطف لك حتى عفا عنك وأيقنت بسعادة الأبد كيف يكون سرورك فى منصرفك من مفصل الفضاء وقد خلع عليك خلعة الرضا وعدت بسعادة ليس بعدها شقاء وبنعيم لا يدور بحواشيه الفناء وعند ذلك طار قلبك سرورا وفرحا وابيض وجهك واستنار وأشرق كما يشرق القمر ليلة البدر فتوهم تبخترك بين الخلائق رافعا رأسك خاليا عن الأوزار ظهرك ونضرة نسيم النعيم وبرد الرضا يتلألأ من جبينك وخلق الأولين والآخرين ينظرون إليك وإلى حالك ويغبطونك فى حسنك وجمالك والملائكة يمشون بين يديك ومن خلفك وينادون على رءوس الأشهاد هذا فلان بن فلان رضى الله عنه وأرضاه وقد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا أفترى أن هذا المنصب ليس بأعظم من المكانة التى تنالها فى قلوب الخلق فى الدنيا بريائك ومداهنتك وتصنعك وتزينك فإن كنت تعلم أنه خير منه بل لانسبة له إليه فتوسل إلى إدراك هذه الرتبة بالإخلاص الصافى والنية الصادقة فى معاملتك مع الله فلن تدرك ذلك إلا به وإن تكن الأخرى والعياذ بالله بأن خرج من صحيفتك جريمة كنت تحسبها هينة وهى عند الله عظيمة فمقتك لأجلها فقال عليك لعنتى يا عبد السوء لا أتقبل منك عبادتك فلا تسمع هذا النداء إلا ويسود وجهك ثم تغضب الملائكة لغضب الله تعالى فيقولون وعليك لعنتنا ولعنة الخلائق أجمعين وعند ذلك تنثال إليك الزبانية وقد غضبت لغضب خالقها فأقدمت عليك بفظاظتها وزعارتها وصورها المنكرة فأخذوا بناصيتك يسحبونك على وجهك على ملأ الخلق وهم ينظرون إلى اسوداد وجهك وإلى ظهور خزيك وأنت تنادى بالويل والثبور وهم يقولون لك لا تدع اليوم ثبورا واحدا وادع ثبورا كثيرا وتنادى الملائكة ويقولون هذا فلان بن فلان كشف الله عن فضائحه ومخازيه ولعنه بقبائح مساويه فشقى شقاوة لا يسعد بعدها أبدا وربما يكون ذلك بذنب أذنبته خفية من عباد الله أو طلبا للمكانة فى قلوبهم أو خوفا من الافتضاح عندهم فما أعظم جهلك إذ تحترز عن الافتضاح عند طائفة يسيرة من عباد الله في الدنيا المنقرضة ثم لا تخشى من الافتضاح العظيم فى ذلك الملأ العظيم مع التعرض لسخط الله وعقابه الأليم والسياق بأيدى الزبانية إلى سواء الجحيم فهذه أحوالك وأنت لم تشعر بالخطر الأعظم وهو خطر الصراط صفة الصراط ثم تفكر بعد هذه الأهوال فى قول الله تعالى يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا وفى قوله تعالى فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون فالناس من بعد هذه الأهوال يساقون إلى الصراط وهو جسر ممدود على متن النار أحد من السيف وأدق من الشعر فمن استقام فى هذا العالم على الصراط المستقيم خف على صراط الآخرة ونجا ومن عدل عن الاستقامة فى الدنيا وأثقل ظهره بالأوزار وعصى تعثر فى أول قدم من الصراط وتردى فتفكر الآن فيما يحل من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها وقد كلفت أن تمشى على الصراط مع ضعف حالك واضطراب قلبك وتزلزل قدمك وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك عن المشى على بساط الأرض فضلا عن حدة الصراط فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك فأحسست بحدته واضطررت إلى أن ترفع القدم الثانية والخلائق بين يديك يزلون ويتعثرون وتتنازلهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب وانت تنظر إليهم كيف يتنكسون فتتسفل إلى جهة النار رءوسهم وتعلوا أرجلهم فياله من منظر ما أفظعه ومرتقى ما أصعبه ومجاز ما أضيقه فانظر إلى حالك وأنت تزحف عليه وتصعد إليه وأنت مثقل الظهر بأوزارك تلتفت يمينا وشمالا إلى الخلق وهم يتهافتون فى النار والرسول عليه السلام يقول يا رب سلم سلم والزعقات بالويل والثبور قد ارتفعت إليك من قعر جهنم للكثرة من زل عن الصراط من الخلائق فكيف بك لو زلت قدمك ولم ينفعك ندمك فناديت بالويل والثبور وقلت هذا ما كنت أخافه فياليتنى قدمت لحياتى يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتنى لم اتخذ فلانا خليلا يا ليتنى كنت ترابا يا ليتنى كنت نسيا منسيا يا ليت أمى لم تلدنى وعند ذلك تختطفك النيران والعياذ بالله وينادى المنادى اخسئوا فيها ولا تكلمون فلا يبقى سبيل إلا الصياح والأنين والتنفس والاستغاثة فكيف ترى الآن عقلك وهذه الأخطار بين يديك فإن كنت غير مؤمن بذلك فما أطول مقامك مع الكفار فى دركات جهنم وإن كنت به مؤمنا وعنه غافلا وبالاستعداد له متهاونا فما أعظم خسرانك وطغيانك وماذا ينفعك إيمانك إذا لم يبعثك على السعى فى طلب رضا الله تعالى بطاعته وترك معاصيه فلو لم يكن بين يديك إلا هول الصراط وارتياع قلبك من خطر الجواز عليه وإن سلمت فناهيك به هولا وفزعا ورعبا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب الصراط بين ظهرانى جهنم فأكون أول من يجيز بأمته من الرسل ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم اللهم سلم وفى جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان قالوا نعم يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى تختطف الناس بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من يخردل ثم ينجو حديث ينصب الصراط بين ظهرى جهنم فأكون أول من يجيز متفق عليه من حديث أبى هريرة فى أثناء حديث طويل وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر الناس على جسر جهنم وعليه حسك وكلاليب وخطاطيف تختطف الناس يمينا وشمالا وعلى جنبتيه ملائكة يقولون اللهم سلم اللهم سلم فمن الناس من يمر مثل البرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس المجرى ومنهم من يسعى سعيا ومنهم من يمشى مشيا ومنهم من يحبو حبوا ومنهم من يزحف زحفا فأما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون ولا يحيون وأما ناس فيؤخذون بذنوب وخطايا فيحترقون فحما ثم يؤذن فى الشفاعة حديث أبى سعيد يحشر الناس على جسر جهنم وعليه حسك وكلاليب وخطاطيف الحديث متفق عليه مع اختلاف ألفاظ وذكر إلى آخر الحديث وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء وذكر الحديث إلى أن ذكر وقت سجود المؤمنين قال ثم يقول للمؤمنين ارفعوا رءوسكم فيرفعون رءوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه فيضىء مرة ويخبو مرة فإذا أضاء قدم قدمه فمشى وإذا أظلم قام ثم ذكر مرورهم على الصراط على قدر نورهم فمنهم من يمر كطرف العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالسحاب ومنهم من يمر كانقضاض الكواكب ومنهم من يمر كشد الفرس ومنهم من يمر كشد الرجل حتى يمر الذى أعطى نوره على إبهام قدمه يحبو على وجهه ويديه ورجليه تجر منه يد وتعلق أخرى وتعلق رجل وتجر أخرى وتصيب جوانبه النار قال فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها ثم قال الحمد لله لقد أعطانى الله ما لم يعط أحدا إذ نجانى منها بعد إذ رأيتها فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل حديث ابن مسعود يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء قال وذكر الحديث إلى ذكر سجود المؤمنين الحديث بطوله رواه ابن عدي والحاكم وقد تقدم بعضه مختصرا وقال أنس بن مالك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الصراط كحد السيف أو كحد الشعرة وإن الملائكة ينجون المؤمنين والمؤمنات وإن جبريل عليه السلام لآخذ بحجزتى وإنى لأقول يا رب سلم سلم فالزالون والزالات يومئذ كثير حديث أنس الصراط كحد السيف أو كحد الشعرة الحديث أخرجه البيهقى فى الشعب وقال هذا إسناد وضعيف قال وروى عن زياد النميرى عن أنس مرفوعا الصراط كحد الشعرة أو كحد السيف قال وهى رواية صحيحة انتهى ورواه أحمد فهذه أهوال الصراط وعظائمه فطول فيه فكرك فإن أسلم الناس من أهوال يوم القيامة من طال فيها فكره فى الدنيا فإن الله لا يجمع بين خوفين على عبد فمن خاف هذه الأهوال فى الدنيا أمنها فى الآخرة ولست أعنى بالخوف رقة كرقة النساء تدمع عينك ويرق قلبك حال السماع ثم تنساه على القرب وتعود إلى لهوك ولعبك فماذا من الخوف فى شىء بل من خاف شيئا هرب منه ومن رجا شيئا طلبه فلا ينجيك إلا خوف يمنعك عن معاصى الله تعالى ويحثك على طاعته وابعد من رقة النساء خوف الحمقى إذا سمعوا الأهوال سبق إلى ألسنتهم الاستعاذة فقال أحدهم استعنت بالله نعوذ بالله اللهم سلم سلم وهم مع ذلك مصرون على المعاصى التى هى سبب هلاكهم فالشيطان يضحك من استعاذتهم كما يضحك على من يقصده سبع ضار فى صحراء ووراءه حصن فإذا رأى أنياب السبع وصولته من بعد قال بلسانه أعوذ بهذا الحصن الحصين وأستعين بشدة بنيانه وإحكام أركانه فيقول ذلك بلسانه وهو قاعد فى مكانه فأنى يغنى عنه ذلك من السبع وكذلك أهوال الآخرة ليس لها حصن إلا قول لا إله إلا الله صادقا ومعنى صدقه أن لا يكون له مقصود سوى الله تعالى ولا معبود غيره ومن اتخذ إلهه هواه فهو بعيد من الصدق فى توحيده وأمره مخطر فى نفسه فإن عجزت عن ذلك كله فكن محبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على تعظيم سننه ومتشوقا إلى مراعاة قلوب الصالحين من أمته ومتبركا بأدعيتهم فعساك أن تنال من شفاعته أو شفاعتهم فتنجو بالشفاعة إن كنت قليل البضاعة صفة الشفاعة اعلم أن إذا حق دخول النار على طوائف من المؤمنين فإن الله تعالى بفضله يقبل فيهم شفاعة الأنبياء والصديقين بل شفاعة العلماء والصالحين وكل من له عند الله تعالى جاه وحسن معاملة فإن له شفاعة فى أهله وقرابته وأصدقائه ومعارفه فكن حريصا على أن تكتسب لنفسك عندهم رتبة الشفاعة وذلك بأن لا تحقر آدميا أصلا فإن الله تعالى خبأ ولايته فى عباده فلعل الذى تزدريه عينك هو ولى الله ولا تستصغر معصية أصلا فإن الله تعالى خبأ غضبه فى معاصيه فلعل مقت الله فيه ولا تستحقر أصلا طاعة فإن الله تعالى خبأ رضاه فى طاعته فلعل رضاه فيه ولو الكلمة الطيبة أو النية الحسنة أو ما يجرى مجراه وشواهد الشفاعة فى القرآن والأخبار كثيرة قال الله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى روى عمرو ابن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيم عليه السلام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم وقول عيسى عليه السلام إن تعذبهم فإنهم عبادك ثم رفع يديه وقال أمتى أمتى ثم بكى فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد فسله ما يبكيك فأتاه جبريل فسأله فأخبره والله أعلم به فقال يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك فى أمتك ولا نسوءك حديث عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم وقول عيسى صلى الله عليه وسلم إن تعذبهم فإنهم عبادك ثم رفع يديه ثم قال أمتى أمتى ثم بكى الحديث وفيه يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك ولا نسوءك فى أمتك قلت ليس هو من حديث عمرو بن العاص وإنما هو من حديث ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص كما رواه مسلم ولعله سقط من الإحياء ذكر عبد الله من بعض النساخ وقال صلى الله عليه وسلم أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبل نصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى وجعلت لى الأرض مسجدا وترابها طهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل وأعطيت الشفاعة وكل نبى بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة حديث أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي الحديث وفيه وأعطيت الشفاعة متفق عليه من حديث جابر إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم من غير فخر أخرجه الترمذى وابن ماجه من حديث أبى بن كعب قال الترمذى حسن صحيح وقال صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم من غير فخر وقال صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأنا أول من تنشق الأرض عنه وأنا أول شافع وأول مشفع بيدى لواء الحمد تحته آدم فمن دونه حديث أنا سيد ولد آدم ولا فخر الحديث أخرجه الترمذى وقال حسن وابن ماجه من حديث أبى سعيد الخدري وقال صلى الله عليه وسلم لكل نبى دعوة مستجابة فأريد أن أختبىء دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة حديث لكل نبى دعوة مستجابة فأريد أن أختبىء دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة متفق عليه من حديث أنس ورواه مسلم من حديث أبى هريرة وقال ابن عباس رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب للأنبياء منابر من ذهب فيجلسون عليها ويبقى منبرى لا أجلس عليه قائما بين يدى ربى منتصبا مخافة أن يبعث بى إلى الجنة وتبقى أمتى بعدي فأقول يا رب أمتى فيقول الله عز وجل يا محمد وما تريد أن أصنع بأمتك فاقول يا رب عجل حسابهم فما أزال أشفع حتى أعطى صكاكا برجال قد بعث بهم إلى النار وحتى إن مالكا خازن النار يقول يا محمد ما تركت للنار لغضب ربك فى أمتك من بقية حديث ابن عباس ينصب للأنبياء منابر من ذهب يجلسون عليها ويبقى منبرى لا أجلس عليه قائما بين يدي ربى منتصبا الحديث أخرجه الطبراني فى الأوسط وفى إسناده محمد بن ثابت والبنانى ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم إنى لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر حديث إنى لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر أخرجه أحمد والطبرانى من حديث بريدة بسند حسن وقال أبو هريرة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال أنا سيد المرسلين يوم القيامة وهل تدرون مم ذلك يجمع الله الأولين والآخرين فى صعيد واحد يسمعهم الداعى وينفذهم البصر وتدنو الشمس فبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس بعضهم لبعض ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم عليه السلام فيأتون آدم فيقولون له أنت أبو البشر خلقك الله تعالى بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم آدم عليه السلام إن ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه قد نهانى عن الشجرة فعصيته نفسى نفسى اذهبوا إلى غيرى اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا عليه السلام فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول إن ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لى دعوة دعوتها على قومى نفسى نفسى اذهبوا إلى غيرى اذهبوا إلى إبراهيم خليل الله فيأتون إبراهيم خليل الله عليه السلام فيقولون أنت نبى الله وخليله من أهل الأرض أشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وإنى كنت كذبت ثلاث كذبات ويذكرها نفسى نفسى اذهبوا إلى غيرى اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى عليه السلام فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول إن ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنى قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسى نفسى اذهبوا إلى غيرى اذهبوا إلى عيسى عليه السلام فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس فى المهد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول عيسى عليه السلام إن ربى غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسى نفسى اذهبوا إلى غيرى اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتون فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبيين وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فأنطلق فآتى تحت العرش فأقع ساجدا لربى ثم يفتح الله لى من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلى ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع فأرفع رأسى فأقول أمتى أمتى يا رب فقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذى نفسى بيده إن بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى حديث أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بلحم فرفع إليه الذراع وكان يعجبه فنهش منها نهشه ثم قال أنا سيد الناس الحديث بطوله فى الشفاعة قال وفى حديث آخر هذا السياق مهع ذكر خطايا إبراهيم متفق عليه وهذه الرواية الثانية أخرجها مسلم وفى حديث آخر هذا السياق بعينه مع ذكر خطايا إبراهيم وهو قوله فى الكواكب هذا ربى وقوله لآلهتهم بل فعله كبيرهم هذا وقوله إنى سقيم فهذه شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولآحاد أمته من العلماء والصالحين شفاعة أيضا حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتى أكثر من ربيعة ومضر حديث يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتى أكثر من ربيعة ومضر رويناه فى جزء أبى عمر بن السماك من حديث أبى أمامة إلا أنه قال مثل أحد الحيين ربيعة ومضر وفيه فكأن المشيخة يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان واسناده حسن وللترمذى وابن ماجة والحاكم من حديث عبد الله بن أبى الجدعا يدخل الجنة بشفاعة الرجل من أمتى أكثر من بنى تميم قالوا سواك قال سواى قال الترمذى حسن صحيح وقال الحاكم صحيح قيل أراد بالرجل أويسا وقال صلى الله عليه وسلم يقال للرجل قم يا فلان فاشفع فيقوم الرجل فيشفع للقبيلة ولأهل البيت وللرجل والرجلين على قدر عمله حديث يقال للرجل قم يا فلان فاشفع فيقوم يشفع للقبيلة ولأهل البيت وللرجل والرجلين على قدر عمله أخرجه الترمذى من حديث أبى سعيد أن من أمتى من يشفع للفئام ومنهم من يشفع للقبيلة الحديث وقال حسن وللبزار من حديث أنس أن الرجل ليشفع للرجلين والثلاثة وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رجلا من أهل الجنة يشرف يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار ويقول يا فلان هل تعرفنى فيقول لا والله ما أعرفك من أنت فيقول أنا الذى مررت بى فى الدنيا فاستسقيتنى شربة ماء فسقيتك قال قد عرفت قال فاشفع لى بها عند ربك فيسأل الله تعالى ذكره ويقول إنى أشرفت على أهل النار فنادانى رجل من أهلها فقال هل تعرفنى فقلت لا من أنت فقال أنا الذى استسقيتنى فى الدنيا فسقيتك فاشفع لى عند ربك فشفعنى فيه فيشفعه الله فيه فيؤمر به فيخرج من النار حديث أنس أن رجلا من أهل الجنة يشرف يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار ويقول يا فلان هل تعرفنى فيقول لا والله ما أعرفك من أنت فيقول أنا الذى مررت بى فى الدنيا يوما فاستسقيتنى شربة فسقيتك الحديث فى شفاعته فيه واخراجه من النار أخرجه أبو منصور الديلمي فى مسند الفردوس بسند ضعيف وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا يئسوا لواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربى ولا فخر حديث أنس أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا الحديث أخرجه الترمذى وقال حسن غريب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى أقوم بين يدى ربى عز وجل فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيرى حديث فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش الحديث أخرجه الترمذى من حديث أبى هريرة وقال حسن غريب صحيح وقال ابن عباس رضى الله عنهما جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم عجبا إن الله عز وجل اتخذ من خلقه خليلا اتخذ إبراهيم خليلا وقال آخر ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليما وقال آخر فعيسى كلمه الله وروحه وقال آخر آدم اصطفاه الله فخرج عليهم صلى الله عليه وسلم فسلم وقال قد سمعت كلامكم وتعجبكم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك وموسى نجى الله وهو كذلك وعيسى روح الله وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فأدخلها ومعى فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر حديث ابن عباس جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم عجبا إن الله اتخذ من خلقه خليلا اتخذ إبراهيم خليلا الحديث رواه الترمذى وقال غريب صفة الحوض اعلم أن الحوض مكرمة عظيمة خص الله بها نبينا صلى الله عليه وسلم وقد اشتملت الأخبار على وصفه ونحن نرجو أن يرزقنا الله تعالى فى الدنيا علمه وفى الآخرة ذوقه فإن من صفاته أن من شرب منه لم يظمأ أبدا قال أنس أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة فرفع رأسه متبسما فقالوا له يا رسول الله لم ضحكت فقال آية أنزلت على آنفا وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر حتى ختمها ثم قال هل تدرون ما الكوثر قالوا الله ورسوله أعلم قال إنه نهر وعدنيه ربى عز وجل فى الجنة عليه خير كثير عليه حوض ترد عليه أمتى يوم القيامة آنيته عدد نجوم السماء حديث أنس أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة فرفع رأسه متبسما فقالوا له يا رسول الله لم ضحكت فقال آية نزلت على آنفا وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر رواه مسلم وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما أنا أسير فى الجنة إذا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذى أعطاك ربك فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك أذفر حديث أنس بينما أنا أسير فى الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف الحديث أخرجه الترمذى وقال حسن صحيح ورواه البخارى من قول أنس لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء الحديث وهو مرفوع وإن لم يكن صرح به عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين لابتى حوضى مثل ما بين المدينة وصنعاء أو مثل ما بين المدينة وعمان حديث أنس ما بين لابنى حوضى مثل ما بين المدينة وصنعاء أو مثل ما بين المدينة ما بين المدينة وعمان رواه مسلم وروى ابن عمر أنه لما نزل قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نهر فى الجنة حافتاه من ذهب شرابه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب ريحا من المسك يجرى على جنادل اللؤلؤ والمرجان حديث ابن عمر لما نزل قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نهر فى الجنة حافتاه من ذهب الحديث أخرجه الترمذى مع اختلاف لفظ وقال حسن صحيح ورواه الدارمى فى مسنده وهو أقرب إلى لفظ المصنف وقال ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حوضى ما بين عدن إلى عمان البلقان ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأكوابه عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين فقال عمر بن الخطاب ومن هم يا رسول الله قال هم الشعث رءوسا الدنس ثيابا الذين لا ينكحون المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد حديث ثوبان إن حوضى ما بين عدن إلى عمان البلقاء الحديث أخرجه الترمذى وقال غريب وابن ماجه فقال عمر بن عبد العزيز والله لقد نكحت المتنعمات فاطمة بنت عبد الملك وفتحت لى أبواب السدد إلا أن يرحمنى الله لا جرم لا أدهن رأسى حتى يشعث ولا أغسل ثوبى الذى على جسدى حتى يتسخ وعن أبى ذر قال قلت يا رسول الله ما آنية الحوض قال والذى نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها فى الليلة المظلمة المضحية من شرب منه لم يظمأ آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة عرضه مثل طوله ما بين عمان وأيلة ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل حديث أبى ذر قلت يا رسول الله ما آنية الحوض قال والذى نفسى بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء الحديث رواه مسلم وعن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لكل نبى حوضا وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة وإنى لأرجو أن أكون أكثرهم واردة حديث سمرة إن لكل نبى حوضا وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة الحديث أخرجه الترمذى وقال غريب قال روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح فهذا رجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فليرج كل عبد أن يكون فى جملة الواردين وليحذر أن يكون متمنيا ومغترا وهو يظن أنه راج فإن الراجى للحصاد من بث البذر ونقى الأرض وسقاها الماء ثم جلس يرجو فضل الله بالإنبات ودفع الصواعق إلى أوان الحصاد فأما من ترك الحراثة أو الزراعة وتنقية الأرض وسقيها وأخذ يرجو من فضل الله أن ينبت له الحب والفاكهة فهذ مغتر ومتمن وليس من الراجين فى شىء وهكذا رجاء أكثر الخلق وهو غرور الحمقى نعوذ بالله من الغرور والغفلة فإن الاغترار بالله أعظم من الاغترار بالدنيا قال الله تعالى فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.

Tidak ada komentar:

Posting Komentar